وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (٥٢) فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ (٥٣) إِنَّ هؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (٥٤) وَإِنَّهُمْ لَنا لَغائِظُونَ (٥٥) وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ (٥٦) فَأَخْرَجْناهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٧) وَكُنُوزٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ (٥٨) كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها بَنِي إِسْرائِيلَ (٥٩) فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ (٦٠) فَلَمَّا تَراءَا الْجَمْعانِ قالَ أَصْحابُ مُوسى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ (٦٢) فَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (٦٣) وَأَزْلَفْنا ثَمَّ الْآخَرِينَ (٦٤) وَأَنْجَيْنا مُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (٦٥) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٦٦) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٦٧) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦٨) وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْراهِيمَ (٦٩))
(قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ) قيل في القصة : إن فرعون كان منطقيا مباحثا سأل بما هو عن حقيقته تعالى ، فلما أجابه موسى عليهالسلام بقوله : (رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا) وبيّن أنّ حقيقته لا تعرف بالحدّ لبساطتها ، غير معلومة للعقل لشدّة نوريتها ولطافتها ، بأن عرّفها بالصفة الإضافية والخاصة اللازمة ، وعرّض به في تجهيله ونفي الإيقان عنه بقوله : (إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ) أي : لو كنتم من أهل الإيقان لعلمتم أن لا طريق للعقل إلى معرفته إلا الاستدلال على وجوده بأفعاله الخاصة به ، وأما حقيقته فلا يعرفها إلا هو وحده وما سألتم عنه بما مما لا يصل إليه نظر العقل. استخفه ونبّه قومه على خفة عقله وكون جوابه غير مطابق للسؤال تعجبا منه لقومه وتسفيها له ، فلما ثنى قوله بمثل ما خفة عقله وكون جوابه غير مطابق للسؤال تعجبا منه لقومه وتسفيها له ، فلما ثنى قوله بمثل ما قال أولا من إيراد خاصة أخرى جننه ، فثلث بقوله : (إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ) أي : إن جننت فأين عقلكم حتى يعرف طوره ولم يتجاوز حدّه. وهذه المقالة إشارة إلى أن النفس المحجوبة بمعقولها لا تهتدي إلى معرفة الحق وحكمة الرسالة والشرع ، ولا تذعن للمتابعة ولا تنقاد للمطاوعة بل تظهر بالأنائية وطلب العلوم والربوبية والتغلب على الرسالة الإلهية وهو معنى قوله : (لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ).
والشيء المبين الذي يمنعه عن الاستيلاء ويردعه عن الغلبة والاستعلاء هو النور البارق القدسي ، والبرهان النّير العرشي الذي ائتلف به القلب في الأفق الروحي المعجز للنفس والقوى الدالة على صدقه في الدعوى المفيد لقوّتيه العاقلتين النظرية والعلمية للهيئة النورية والقوة القهرية حتى صارت الأولى قوة قدسية متأيدة بالحكمة البالغة يعتمد عليها في قمع العدوّ عند المجادلة ودفع الخصم عند المغالطة. والثانية قوّة ملكية متأيدة بالقدرة الكاملة يعجز بها من غالبه في القوة وعارضه بالقدرة ، فإذا ألقى عصا القوة القدسية بالذكر القلبي صار ثعبانا ظاهر الثعبانية في الغلبة القوية ، وإذا نزع يد الملكية من جيب الصدر حيّر الناظر بالإشراق والنورية. ولما تحيرت النفس الفرعونية وقواها وعجزت وخافت أن يخرجها من أرض البدن
![تفسير ابن عربي [ ج ٢ ] تفسير ابن عربي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3855_tafsir-ibn-arabi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
