رسوخها ، وقد يكون هذا الموطن قبل الموطن الأول في ذلك اليوم على الأمر الأكثر كما ذكر وقد يكون بعده ، وذلك عند حبط الأعمال وغلبة الأمر العارضي واستيلائه على الذاتي إلى حد إبطال الاستعداد بالكلية فيدافعه الاستعداد الأصلي قليلا قليلا ويتجلى بصور التعذّبات والبليّات شيئا فشيئا ، حتى يتساوى الأمران كتبرّد الماء المسخّن حين بلوغه إلى كونه فاترا ، فهذا الشخص مطرود في أول الأمر عند قرب الاستعداد إلى الزوال ثم قد يوقف ويسئل عند قرب رجوع الاستعداد إلى الحالة الأولى وإمكان اتصاله بالملكوت. وأما الأشقياء المردودون ، المخلّدون في العذاب ، والسعداء المقرّبون الذين يدخلون الجنة بغير حساب ، فلا يسئلون قط ولا يوقفون للسؤال. فقوله : (وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ (٢٤)) (١) ونظائره مخصوص ببعض المعذبين ، وهم الأشقياء الذين عاقبتهم النجاة من العذاب.
[٤١ ـ ٤٢] (يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي وَالْأَقْدامِ (٤١) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٤٢))
(يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ) الذين غلبت عليهم الهيئات الجرمانية باكتساب الرذائل ورسوخها (بِسِيماهُمْ) أي : بعلامات تلك الهيئات الظاهرة الغالبة عليهم (فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي) فيعذبون من فوق ويحجبون ويحبسون مقيدين أسراء من جهة رذيلة الجهل المركب ورسوخ الاعتقادات الفاسدة (وَالْأَقْدامِ) أي : يعذبون من أسفل ، ويجرّون ويسحبون على وجوههم ، ويردّون إلى قعر جهنم كما قيل : يهوي أحدهم فيها سبعين خريفا لرسوخ الهيئات البدنية والرذائل العملية من إفراط الحرص والشره والبخل والطمع وارتكاب الفواحش والآثام من قبيل الشهوة والغضب.
[٤٣ ـ ٤٥] (هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ (٤٣) يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ (٤٤) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٤٥))
(هذِهِ جَهَنَّمُ) قعر بئر أسفل سافلين من الطبيعة الجسمانية (يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ) قد انتهى حره وإحراقه من الجهل المركب ولهذا قيل : يصبّ من فوق رؤوسهم الحميم ، لأن العذاب المستحق من جهة العمل هو نار جهنم من تحت والمستحق من جهة العلم هو الحميم من فوق.
[٤٦ ـ ٥١] (وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ (٤٦) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٤٧) ذَواتا أَفْنانٍ (٤٨) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٤٩) فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ (٥٠) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٥١))
__________________
(١) سورة الصافات ، الآية : ٢٤.
![تفسير ابن عربي [ ج ٢ ] تفسير ابن عربي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3855_tafsir-ibn-arabi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
