تبيّن بعد ذلك أنّ هذا الفعل ـ الّذي اعتقد قبل بعدم وروده في الشريعة أو كان شاكّا أو ظانّا فيه بظنّ غير معتبر ـ وارد في الشريعة ومأمور به ، كما إذا لم يعلم بورود صلاة ذات اثنتي عشرة ركعة ليلة الغدير ، ثمّ رأى في كتاب الإقبال للسيّد ـ قدسسره ـ رواية في ذلك.
فإن كان حين إتيانها مضافا إلى الله ملتفتا إلى كونه تشريعا محرّما مبغوضا لمولاه ، فلا محالة وقعت فاسدة ، إذ لم يتمشّ منه قصد القربة أصلا مع الالتفات بكونه كذلك.
وإن لم يكن ملتفتا إلى ذلك ، فربما يتوهّم الصحّة ، نظرا إلى أنّه لا يعتبر في وقوع العبادة صحيحة إلّا كونها مأمورا بها وقابلة للإضافة وقصد الآتي بها القربة وإضافتها إلى الله ، والمفروض أنّ المشرّع ـ لعدم التفاته وعلمه بكونها محرّمة ومبغوضة ـ تمشّى منه قصد القربة ، وأتى بها مضافة إلى الله ، والآن
__________________
ـ ينكشف عن أنّه تجرّى بالتشريع لا نفسه ، فالحرمة التشريعيّة محقّقة بما إذا لم ينكشف الخلاف ، أمّا في صورة انكشاف الخلاف فيدخل تحت عنوان التجرّي ، لكن العبادة تقع فاسدة مطلقا ، سواء انكشف الخلاف أم لا. مع الالتفات إلى كونها تشريعا ، لعدم تمشّي قصد القربة منه معه حين الإتيان ، وأمّا مع عدم الالتفات فلا يحكم بفساد العبادة مطلقا ، انكشف الخلاف أو لم ينكشف ، وذلك لأنّ التشريع من المستقلّات العقليّة ، ولم يتعلّق نهي مولويّ به ، والعقل لا يحكم بالقبح في غير صورة الالتفات.
وبعبارة أخرى : موضوع حكم العقل هو التصرّف في سلطان المولى بغير إذنه عن قصد والتفات ، فمع عدم الالتفات بأنّه تصرّف في سلطان المولى بغير إذنه خارج عن تحت حكم العقل بالقبح ، فلا تقع مبغوضة ، بل تقع صحيحة لو انكشف أنّها مأمور بها ولو بالإطلاق بأنّ تعلّق الأمر بالطبيعة وشكّ في شموله لهذا الفرد ، إذ لا وجه للتقييد ، ولو لم ينكشف ذلك ، لا يجوز الاكتفاء بها عن الواجب ـ كما إذا صلّى بغير سورة متقرّبا بها ولا يعلم بأنّ الصلاة بدون السورة صحيحة أو لا ، ولا يلتفت إلى أنّه تشريع ـ لقاعدة الاشتغال ، وأمره في مقام الثبوت دائر مدار الواقع فإن أمر بها واقعا فصحيحة ، وإلّا فلا ، لكن لا يفيد الأمر الواقعي ما لم يعلم به في مقام الامتثال. (م).
![الهداية في الأصول [ ج ٢ ] الهداية في الأصول](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3831_alhedaya-fi-alusul-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
