وكان أبو المعالي الجويني يقول : لقد جلت أهل الإسلام جولة وعلومهم ، وركبت البحر الأعظم ، وغصت في الذي نهوا عنه ، كل ذلك في طلب الحق ، وهربا من التقليد ، والآن فقد رجعت عن الكل إلى كلمة الحق : عليكم بدين العجائز ، فإن لم يدركني الحق بلطف بره ، فأموت على دين العجائز ، ويختم عاقبة أمري عند الرحيل بكلمة الإخلاص ، فالويل لابن الجويني ، وكان يقول لأصحابه : يا أصحابنا لا تشتغلوا بالكلام ، فلو عرفت أن الكلام يبلغ بي ما بلغ ، ما تشاغلت به.
وقال أبو الوفاء بن عقيل لبعض أصحابه : أنا أقطع أن الصحابة ماتوا وما عرفوا الجوهر والعرض ، فإن رضيت أن تكون مثلهم فكن ، وإن رأيت أن طريقة المتكلمين أولى من طريق أبي بكر وعمر فبئس ما رأيت.
قال : وقد أفضى الكلام بأهله إلى الشكوك ، وكثير منهم إلى الإلحاد ، تشم روائح الإلحاد من فلتات كلام المتكلمين ، وأصل ذلك أنهم ما قنعوا بما قنعت به الشرائع ، وطلبوا الحقائق وليس في قوة العقل إدراك ما عند الله من الحكمة التي انفرد بها ، ولا أخرج البارئ من علمه لخلقه ما علمه هو من حقائق الأمور.
قال : وقد بالغت في الأول طول عمرى ، ثم عدت القهقري إلى مذهب الكتب وإنما قالوا : إن مذهب العجائز أسلم ، لأنهم لما انتهوا إلى غاية التدقيق في النظر لم يشهدوا ما ينفي العقل من التعليلات والتأويلات ، فوقفوا مع مراسيم الشرع وجنحوا عن القول بالتعليل ، وأذعن العقل بأن فوقه حكمة إلهية فسلم.
ثم قال : فإن قال قائل : قد عبت طريق المقلدين في الأصول ، وطريق المتكلمين ، فما الطريق السليم من تلبيس إبليس.
فالجواب : أنه ما كان عليه رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم وأصحابه ، وتابعوهم بإحسان ، من إثبات الخالق سبحانه ، وإثبات صفاته على ما وردت به الآيات والأخبار ، من غير تفسير ، ولا بحث. عما ليس في قوة البشر إدراكه ، وأن القرآن كلام الله غير مخلوق ، قال علي كرم الله وجهه : والله ما حكمت
