وقال أحمد بن حنبل : لا يفلح صاحب كلام أبدا ، علماء الكلام زنادقة.
قلت : وكيف لا يذم الكلام ، وقد أفضى بالمعتزلة إلى أنهم قالوا : إن الله عزوجل يعلم جمل الأشياء ، ولا يعلم تفاصيلها.
وقال جهم بن صفوان : علم الله وقدرته وحياته محدثة ، وقال أبو محمد النوبختي عن جهم : إنه قال : إن الله عزوجل ليس بشيء.
وقال أبو علي الجبائي ، وأبو هاشم ، ومن تابعهما من البصريين : المعدوم شيء وذات ، ونفس ، وجوهر ، وبياض ، وصفرة ، وحمرة ، وإن الباري سبحانه وتعالى لا يقدر على جعل الذات ذاتا ، ولا العرض عرضا ، ولا الجوهر جوهرا ، وإنما هو قادر على إخراج الذات من العدم إلى الوجود.
وحكى القاضي أبو يعلي في كتاب «المقتبس» قال : قال لى العلاف المعتزلى : لنعيم أهل الجنة ، وعذاب أهل النار ، أمر لا يوصف الله بالقدرة على دفعه ، ولا تصح الرغبة حينئذ إليه ، ولا الرهبة منه ، لأنه لا يقدر إذ ذاك على خير ولا شر ولا نفع ولا ضر. قال ويبقى أهل الجنة جمودا سكوتا لا يفضون بكلمة ، ولا يتحركون ولا يقدرون هم ولا ربهم على فعل شيء من ذلك لأن الحوادث كلها لا بد لها من آخر ينتهى إليه ، لا يكون بعده شيء ، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
قال ابن الجوزي وذكر أبو القاسم عبد الله بن أحمد بن محمد البلخي في كتاب «المقالات» : إن أبا الهذيل العلاف ، وهو من أهل البصرة من عبد القيس مولى لهم ، وانفرد بأن قال : أهل الجنة تنقضي حركاتهم ، فيصيرون إلى سكون دائم وأن لما يقدر الله عليه نهاية لو خرج إلى الفعل ، ولن يخرج استحال أن يوصف الله عزوجل بالقدرة على غيره.
وذكر بإسناده عن أحمد بن سنان ، قال : كان الوليد بن أبان الكرابيسي خالي ، فلما حضرته الوفاة قال لبنيه : تعلمون أحدا أعلم بالكلام مني؟ قالوا : لا ، قال : فتتهمونني؟ قالوا : لا ، قال : فإني أوصيكم ، أتقبلون؟ قالوا : نعم ، قال : عليكم بما عليه أصحاب الحديث ، فإني رأيت الحق معهم.
