فصل
(في الوظائف الواجبة على المتأول)
لما كان الأصل في اللفظ هو الحقيقة والظاهر : كان العدول به عن حقيقته مخرجا له عن الأصل ، فاحتاج مدعى ذلك إلى دليل يسوغ له إخراجه عن أصله ، فعليه أربعة أمور لا تتم دعواه إلا بها :
(الأمر الأول) بيان احتمال اللفظ للمعنى الذي تأوله في ذلك التركيب الذي وقع فيه ، وإلا كان كاذبا على اللغة ، فإن اللفظ قد لا يحتمل ذلك المعنى لغة ، وإن احتمله فقد لا يحتمله في ذلك التركيب الخاص. وكثير من المتأولين لا يبالي إذا تهيأ له حمل اللفظ على ذلك المعنى بأي طريق أمكنه إلى مقصوده دفع الصائل ، فبأي طريق تهيأ له دفعه دفعه. فإن النصوص قد صالت على قواعده الباطلة ، وليس لأحد أن يحمل كلام الله ورسوله على كل ما ساغ في اللغة والاصطلاح لبعض الشعراء أو الخطباء والكتّاب والعامة إلا إذا كان ذلك غير مخالف لما علم من وصف الرب سبحانه وأسمائه ؛ وما تضافرت به صفاته لنفسه وصفات رسوله ؛ وكانت إرادة ذلك المعنى بذلك اللفظ مما يجوز ويصلح لنسبتها إلى الله تعالى ؛ لا سيما والمتأول يخبر عن مراد الله ورسوله ، فإن تأويل كلام المتكلم بما يوافق ظاهره أو يخالفه إنما هو بيان لمراده.
فإذا علم المتكلم لم يرد هذا المعنى ، وأنه يمتنع أن يريده ؛ وأن في صفات كماله ونعوت جلاله ما يمنع من إرادته ، استحال الحكم عليه إرادته.
فهذا أصل عظيم يجب معرفته ؛ ومن أحاط به فعرفه تبين له أن كثيرا مما يدعيه المحرفون للتأويلات مما يعلم قطعا أن المتكلم لم يرده.
وإنما كان ذلك مما يسوغ لبعض الشعراء أو الكتّاب القاصدين التعمية ، لغرض من الأغراض ، فلا بد أن يكون المعنى الذي تأوله المتأول مما يسوغ استعمال اللفظ فيه في تلك اللغة التي وقع بها التخاطب ، وأن يكون ذلك مما يجوز نسبته
