والأسلاف ، والثاني : الخوض فيما لا يدرك غوره ، ويعجز الخائض عن الوصول إلى عمقه ، فأوقع أصحاب هذا القسم في فنون من التخليط.
فأما الطريق الأول : فإن إبليس زين للمقلدين أن الأدلة قد تشتبه والصواب قد يخفى والتقليد سليم ، وقد ضل في هذا التقليد خلق كثير ، وبه هلاك عامة الناس ، فإن اليهود والنصارى قلدوا آباءهم وعلماءهم ، فضلوا ، وكذلك أهل الجاهلية ... ثم ذكر الكلام في ذم التقليد ـ ثم قال وأما الطريق الثاني : فإن إبليس لما تمكن من الأغبياء فورطهم في التقليد ، وساقهم سوق البهائم ، ثم رأى خلقا فيهم نوع ذكاء وفطنة ، فاستغواهم على قدر تمكنه منهم ، فمنهم من قبح عنده الجمود على التقليد ، وأمره بالنظر ، ثم استغوى كلا من هؤلاء بفن ، فمنهم من أراه أن الوقوف مع ظواهر الشرائع عجز فساقهم إلى مذهب الفلاسفة ، ولم يزل بهؤلاء حتى أخرجهم عن الإسلام ، وقد سبق ذكرهم في الرد على الفلاسفة ، ومن هؤلاء من حسن له ألا يعتقد إلا ما أدركته حواسه ، فيقال لهؤلاء بالحواس علمتم صحة قولكم؟ فإن قالوا : نعم ، كابروا ، لأن حواسنا لم تدرك ما قالوا ، إذ ما يدرك بالحواس لا يقع فيه خلاف ، وإن قالوا بغير الحواس ، ناقضوا قولهم.
ومنهم من نفره إبليس على التقليد ، وحسن له الخوض في علم الكلام ، والنظر في أوضاع الفلاسفة ليخرج بزعمه من غمار العوام ، وقد تنزعت أحوال المتكلمين ، وأفضى الكلام بأكثرهم إلى الشكوك ، وببعضهم إلى الإلحاد.
ولم تسكت القدماء من فقهاء هذه الأمة عن الكلام عجزا ، ولكنهم رأوا أنه لا يشفي غليلا ، ثم يرد الصحيح عليلا ، فأمسكوا عنه ، ونهوا عن الخوض فيه حتى قال الشافعي رحمهالله : لأن يبتلى العبد بكل ما نهى الله عنه ، ما عدا الشرك ، خير له من أن ينظر في الكلام ، قال : وإذا سمعت الرجل يقول : الاسم هو المسمى ، أو غير المسمى ، فاشهد أنه من أهل الكلام ، ولا دين له ، قال : وحكمي في علماء الكلام أن يضربوا بالجريد ، ويطاف بهم في العشائر والقبائل ويقال هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة ، وأخذ في الكلام.
