الأسماء استقلالا وتبعا وهكذا في حضرة الفعل وهكذا في حضرة الأقلام الى عالم المثال ، وكلّ تلك الحضرات من حيث انّها عوالم مجرّدة عن المادّة وأغشيتها تسمّى عند الله ولدن الله لحضورها في محضره ، ولمّا كان تلك الحقائق محفوظة عن التّغيّر والتّبدّل كالأشياء النّفسية المخزونة المحفوظة سمّاها تعالى بالخزائن ، فكلّ ما في عالم الملك فله حقيقة في عالم المثال ينزّله تعالى شأنه من عالم المثال الى عالم الملك بقدر استعداد المادّة لقبوله وحين استعدادها ، وهكذا من النّفوس الكلّيّة الى عالم المثال ، وهكذا الأمر في العالي والا على الى حضرة الأسماء. ولمّا كان موجودات عالم الملك متجدّدة بالتّجدّد الذّاتيّ بمعنى انّها كلّ آن فانية عن ذواتها وموجودة بموجدها كما حقّق في محلّه فما من شيء ممّا في عالم الملك الّا ويفنى آنا فآنا وينزّله تعالى من خزائنه آنا فآنا فلذلك قال (وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ) بصيغة المضارع الدّالّ على الاستمرار التّجدّدىّ (وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ) ملقحات فانّ اللّاقح هو الحامل والملقح هو الجاعل للشّيء حاملا يعنى وممّا ننزّل بقدر الرّياح اللّواقح الّتى لا اعتناء لكم بها وفيها منافع لكم منها تسيير السّحاب في السّماء لامطار المطر ولهذا كانت بشرى بين يدي رحمته وقال (فَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً) بالفاء الدّالّة على التّعقيب (فَأَسْقَيْناكُمُوهُ وَما أَنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ) حتّى تقدروا على انزاله ومنعه بل هو أيضا ممّا ننزّله بقدر فالمقصود إثبات خازنيّة الماء لنفسه استدلالا على ما ادّعاه من انّ كلّ شيء خزائنه عنده (وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوارِثُونَ) كأنّ سابقه كان لاثبات المبدئيّة وحصرها في نفسه وهذا لاثبات المالكيّة والمرجعيّة وحصرهما في نفسه (وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ) اى المستقدمين ولادة والمستأخرين الموجودين في زمان واحد ، أو المستقدمين الّذين مضى زمان وجودهم والمستأخرين الّذين لم يأتوا بعد ، أو المستقدمين في مراتب الايمان والإسلام والآية بحسب التّعميم شاملة للجميع ولعلّ المقصود كان هذا التّعميم لانّ المراد بيان احاطة علمه تعالى بعد بيان مبدئيّته ومرجعيّته والتّعميم ادلّ على ذلك (وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ) وحكمته تقتضي الحشر والمجازاة وإيصال كلّ الى مقتضاه (عَلِيمٌ) يعلم قدر كلّ ومحشره واقتضاءه ، ثمّ لمّا اثبت ألهته في مبدئيّته ومرجعيّته ومالكيّته واثبت حكمته وعلمه اثبت مبدئيّته لخصوص الإنسان لانّه أشرف الموجودات وانّ مبدئيّته له ادلّ على حكمته وقدرته وعلمه وذكر مبدئيّته للجانّ تبعا فقال (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ) ذكروا لتلك الكلمات معاني أوجهها ان يكون المراد بالصّلصال الشّيء المنتن ، والحمأ الطّين الأسود لطول مجاورته للماء ، شبّه النّطفة بالحمإ لانّه يبقى في العروق واوعية المنىّ مدّة طويلة كالطّين الأسود في الأنهار ، والمسنون المصبوب لانّها تصبّ في الرّحم (وَالْجَانَ) قيل : المقصود منه ابو الجنّ ، وقيل : إبليس ، وقيل : أريد به الجنس كما هو الظّاهر من لفظ الإنسان (خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ) قبل خلق الإنسان (مِنْ نارِ السَّمُومِ) السّموم الرّيح الحارّة الشّديدة الحرّ المعروفة وكثيرا ما تكون في البلاد الحارّة وهي ريح شديدة الحرّ منتنة حادثة من الأراضي السّبخة الكبريتيّة المتسخنة بالشّمس ولها سمّيّة ولذلك تسمّى سموما ، شبّه الكيفيّة الحادثة من اختلاط القوى الطّبيعيّة العنصريّة السّبخة مع القوى الرّوحانيّة وتسخّنها بحرارة الشّمس الحقيقيّة بالنّار الّتى تظهر في الهواء من اختلاط سطوح الأراضي السّبخة مع ضوء الشّمس ، وتولّد الجنّ منها بالدّخان الحاصل من النّار فانّه بعد انتهاء الوجود الى عالم الملك يحدث منه ظلّ ظلمانىّ ودخان الى أسفل
![تفسير بيان السعادة في مقامات العبادة [ ج ٢ ] تفسير بيان السعادة في مقامات العبادة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3364_tafsir-bayan-alsaade-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
