جواب لسؤال عن حالهم ، وإذا كانت حالا فامّا حال عن فاعل شقوا أو عن المستتر في الظّرف أو عن النّار ، أو لهم حال عمّا سبق وزفير وشهيق فاعل للظّرف لاعتماده على ذي الحال وللآية وجوه أخر من الاعراب ، والزّفير إخراج النّفس بشدّة والشّهيق إدخاله كذلك ، أو شبّه صراخهم بنهيق الحمير فانّ الزّفير والشّهيق حالتا نهيق الحمير (خالِدِينَ فِيها) حال عن واحد ممّا سبق بطريق التّداخل أو التّرادف (ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ) ظرف للخلود أو لكون الزّفير لهم أو لثبوتهم في النّار استقلالا أو على سبيل التّنازع (إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ) استثناء من مدّة الخلود أو مدّة كونهم في النّار لا من مدّة زفيرهم وشهيقهم ليوافق قسيمه ولفظة ما نافية أو مصدريّة أو موصولة أو موصوفة ، ولمّا كان المتوهّم من استثناء مدّة عن مدّة ان يكون المستثناة آخر المدّة المستثنى منها أشكل الآية على القائلين بدوام العذاب والخلود في النّار واستدلّ القائلون بانقطاع العذاب أو خروج أهل النّار من النّار بأمثالها.
بيان في خلود أهل النّار وعدم خلودهم
اعلم ، انّ المتشرّعين من المتكلّمين والفقهاء رضوان الله عليهم قالوا بدوام العذاب وخلود أهل النّار الّذين لا يدركهم شفاعة الشّفعاء في النّار وفي العذاب واستدلّوا على ذلك بظواهر الآيات والاخبار ، وعلى هذا فالاستثناء من مدّة الخلود باعتبار اوّلها نظيره ان يقال : حبست يوم الجمعة الّا ساعة من اوّله ، فانّ أهل النّار قبل دخول نار الآخرة معذّبون في البرازخ أو غير مستفيقين من غشيهم وإماتتهم بالنّفخة الاولى وحالهم حينئذ كحال النّائم والمغشىّ عليه ، أو الاستثناء من مدّة الخلود باعتبار آخر المدّة لكن بالنّسبة الى من يدركه شفاعة الشّافعين كأنّه قال : الّا ما شاء الله لمن شاء الله أو الاستثناء من مدّة الخلود باعتبار آخرها لكنّ المراد بالنّار نار البرازخ المعبّر عنها بنار الدّنيا كما في الاخبار ، وتلك النّار وان مكثوا فيها ما مكثوا لكنّهم يخرجون عنها أخيرا الى نار الآخرة وسنحقّق نار الدّنيا ونار الآخرة وكذا جنان الدّنيا وجنان الآخرة عن قريب ان شاء الله ، وقد ذكر في تصحيح الاستثناء وجوه أخر لا فائدة في ذكرها ولا تليق بهذا المختصر. وبعض الحكماء من المشّائين والاشراقيّين قالوا بخلود النّار وتسرمد العذاب على النّوع بتعاقب الإفراد وامّا الإفراد فلا يتسرمد العذاب عليهم بل امّا يصير العذاب عذبا كما قال بعض أو يخرجون من الجحيم والنّار الى النّعيم ، أو يخرج بعضهم ويصير العذاب عذبا على بعضهم ، واستدلّوا على ذلك بأصولهم المقرّرة عندهم من انّ القسر لا يكون دائميّا ولا اكثريّا والّا بطل الحكمة في إيجاد القوّة المقسورة وإذا لم يكن القسر دائميّا ولا اكثريّا فان كان الإنسان مخلّدا في النّار فليبدّل القوّة المتألّمة منه بقوّة ملائمة للنّار حتّى يستريح منها ويلتذّ بها ، أو يخرج من النّار ويصل الى ما يلائمه ، واعتقد جمع من المتصوفّة أيضا عدم تسرمد العذاب واستدلّوا على ذلك بأصولهم الذّوقيّة وشواهدهم الكشفيّة من انّ الرّحمة ذاتيّة وسابقة على الغضب وشاملة للكلّ وانّ الغضب عرضىّ لا حق للمرحوم بالّذات ، والعرضىّ يزول والذّاتيّ لا يزول فبعد مدّة العذاب اللّائق بحال المعذّب يصير العذاب عذبا للكلّ كما قال بعض أو يخرج المعذّبون جميعا وينبت من قعر الجحيم الجرجير كما قال بعض ، أو يتسرمد العذاب على النّوع بتعاقب الأشخاص وخروجهم تدريجا كما قال جمع ، أو يخرج بعض ويبقى بعض في الجحيم ملتّذا بنارها وحيّاتها وعقاربها مثل ما قال الحكماء ، ولا إشكال في الاستثناء على قولهم لكن هذا القول يشبه قول اليهود وقد كذّبهم الله في قولهم : (لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً)(إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ) تعليل لسابقه (وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا) قرئ بفتح السّين وضمّها من سعده الله بمعنى أسعده (فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ) الاستثناء هنا
![تفسير بيان السعادة في مقامات العبادة [ ج ٢ ] تفسير بيان السعادة في مقامات العبادة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3364_tafsir-bayan-alsaade-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
