والقمر والنّجوم الّذى به يتمّ نظام العالم وينتظم معاش بنى آدم ، استفيد منه مبدئيّته لعالمى الخلق والأمر ومالكيّته لهما فنبّه على المستفاد وأتى باللّام الدّالّة على المبدئيّة والمالكيّة والمنتهائيّة ، مشيرا الى الاختصاص المؤكّد بتقديم الظّرف ثمّ مدح نفسه بكثرة الخيرات مؤكّدا بربوبيّة العالم بقوله (تَبارَكَ اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ) ثمّ فرّع عليه الأمر بالدّعاء والتّضرّع ، فانّ من لا شأن له سوى المخلوقيّة والمربوبيّة لا ينبغي له الخروج عن التّعلّق والدّعاء والتّضرّع عند ربّه الّذى هو مالك الكلّ وصاحب الخيرات الكثيرة بقوله (ادْعُوا رَبَّكُمْ) كأنّه قال إذا كنتم كذلك فادعوا ربّكم ، والدّعاء يستعمل في طلب ذات المدعوّ وفي طلب امر آخر منه كأنّ المدعوّ في الحقيقة هو ذلك الأمر ، والمدعوّ مطلوب من باب المقدّمة وكلّما أطلق الدّعاء كان المطلوب ذات المدعوّ لا امرا غيره الّا إذا قامت قرينة على انّ المطلوب غيره ، والمطلوب هناك ذات المدعوّ كأنّه قال انّه حاضر عليكم في تدبير أموركم وأنتم غائبون عنه فادعوه الى بيوت قلوبكم حتّى تحضروا عنده بخروجكم عن غيبتكم ؛ وهو مشعر بما قالت الصّوفيّة من الفكر والحضور (تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً) مصدران لا دعوا من غير مادّته فانّ التّضرّع والخفية عبارة عن نوعي الدّعاء ما يظهر على اللّسان وما لا يظهر ، فانّ التّضرّع ملازم للظّهور على اللّسان أو ما يجهر به وما لا يجهر به فانّ التّضرّع قلّما يخلو عن جهر أو بتقدير المصدر اى دعاء تضرّع وخفية ، أو حالان بكون المصدر بمعنى المشتقّ أو بتقدير مضاف الى ذوي تضرّع ، ولا استبعاد في ان يقال : المراد بالتّضرّع هو الدّعاء مع الشّعور به سواء كان بلسان القالب أو بلسان القلب ، وبالخفية هو الدّعاء بلسان الحال والاستعداد من غير استشعار به فانّ الخفية الحقيقيّة هي الّتى لا يستشعر الدّاعى بها ، وتعلّق الأمر والتّكليف بها باعتبار مقدّماتها الّتى هي بشعوره واختياره ، أو يقال : المراد بالتّضرّع هو الدّعاء بلسان القالب وبالخفية هو الدّعاء بلسان القلب شاعرا بهما ؛ وهما اللّذان يسمّيان في عرف الصّوفيّة بالّذكر الجلىّ والذكّر الخفىّ (إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) المتكبّرين المستنكفين عن الدّعاء المتجاوزين مرتبتهم وشأنهم ، لانّه من لا يدعو الله من العباد فقد تجاوز عن شأن عبوديّته ، أو المراد بالمعتدين المتجاوزون في الدّعاء حدّ الدعاء وشأن الدّاعى من التّضرّع والانكسار أو حدّ الوسط بالإجهار بالصّوت في الدّعاء ، أو حدّ الوسط بين التّرك والإصرار فانّه ورد : انّه ما زال المظلوم يدعو على الظّالم حتّى يصير ظالما (وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ) اعلم ، انّ الإنسان ما لم يبلغ حدّ الرّشد والتّكليف شأنه شأن البهائم في طلب المشتهيات بأىّ نحو اتّفق ودفع المولمات كذلك وليس له شأن الايتمار والانقياد الّا لمن يخاف منه على بدنه ، وليس له شأن الإصلاح في ارض العالم الصّغير ولا في ارض العالم الكبير ، فاذا بلغ وحصل له العقل حصل له شأنيّة الايتمار والإصلاح في ارضى العالمين في الجملة ، فان ساعده التّوفيق ودعاه الدعاة الالهيّون دعوة عامّة ظاهرة وقبل منهم وانقاد لهم بالبيعة العامّة النّبويّة وصار مسلما كمل له شأنيّة الإصلاح وحصل له الانقياد في الجملة ، فان زاد توفيقه ودعاه الدّعاة الالهيّون دعوة خاصّة باطنة وقبل منهم وبايع معهم البيعة الخاصّة الولويّة وتمّ له الانقياد ، فامّا ان يلتحق بملكوت الدّاعى ويحصل له حالة الحضور معه وهو المصلح الحقيقىّ في العالمين ، وامّا ان يطلب الالتحاق وشأنه دعاء ربّه والتّضرّع والالتجاء اليه في غيبته حتّى يلتحق به وهو المصلح في الجملة ، وان خذله الله بعد حصول العقل وشأنيّة الإصلاح ولم يطلب الإسلام ، أو طلب ودخل فيه ولم يطلب الايمان ، أو طلب ودخل فيه ولم يكن يدعو ربّه ولم يطلب الالتحاق بملكوته صار مفسدا في العالمين فكأنّه قال : ادعوا ربّكم ولا تتركوا الدّعاء فتفسدوا في الأرض (بَعْدَ إِصْلاحِها) بالقوّة
![تفسير بيان السعادة في مقامات العبادة [ ج ٢ ] تفسير بيان السعادة في مقامات العبادة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3364_tafsir-bayan-alsaade-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
