الى أخر الآيات وهو التّوسّط بين الإفراط والتّفريط في الفعل والقول وهو صراط الولاية ، أو هو اشارة اوّلا الى طريق الولاية الّذى كان معهودا عنده (وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ) أصله تتفرّق حذف تاء المضارعة والفعل منصوب بان بعد الفاء والباء للتّعدية والمعنى لا تتّبعوا السّبل فان تتفرّق بكم اى تفرّقكم وتزيل اجتماعكم واتّحادكم في الصّراط ، ولمّا كان التّوسّط بين الإفراط والتّفريط لا يحصل الّا بالولاية بل كان هو الولاية والولاية من شؤن الولىّ بل هي الولىّ صحّ تفسيره بالولاية وبمحمّد (ص) وبعلىّ (ع) كما ورد في الاخبار ، ولمّا كان الانحراف عن التّوسّط والميل الى الإفراط والتّفريط لا يحصل الّا باتّباع الهوى بل هو اتّباع الهوى والهوى ليس الّا من شؤن أعداء أهل البيت صحّ تفسير اتّباع السّبل بمحبّة أعدائهم (ذلِكُمْ) التّوسّط (وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) السّبل المتفرقّة فانّ التّقوى الحقيقيّة هي الاحتراز عن الطّرق المنحرفة والثّبات على الصّراط المستقيم (ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ) كتاب النّبوّة أو التّوراة الّتى هي صورة النّبوّة والعطف باعتبار المعنى كأنّه قال هذا ما آتينا محمّدا (ص) ثمّ آتينا موسى الكتاب والعطف بثمّ باعتبار الاخبارين والاعلامين أو باعتبار تفاوت الخبرين في الشّرف باعتبار موضوعيهما ويحتمل العطف على جملة ذلكم وصيّكم به لكنّه بعيد عن الفصاحة لعدم المناسبة بينهما ، وامّا العطف على وصيّكم كما قيل فبعيد غاية البعد لعدم ظهور الرّابط لمبتدء المعطوف عليه (تَماماً) من غير نقص فيه أو تماما للنّعمة وهو حال أو مفعول مطلق أو تعليل (عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ) صار ذا حسن أو جعل عمله حسنا وبأحد هذين المعنيين ورد تفسيره بان تعبد الله كأنّك تراه أو أحسن الى الغير ومنع إساءته عنهم ، اعلم ، انّ الحسن المطلق منحصر في الولاية المطلقة الّتى صاحبها علىّ (ع) بعد محمّد (ص) وحسن غيرها من الّذوات والصّفات والأفعال باعتبار اتّصاله بها ، وتفاوت الحسن في الأشياء باعتبار تفاوتها في القرب والبعد عنها ، فالطّالب للولاية يكون في نفسه حسنا وأفعاله الّتى تصدر عن طلبه تكون حسنة ، والقابل لها يكون أحسن وأفعاله الّتى تصدر عن جهة ذلك القبول أحسن من افعال الطّالب ، والقابل المشاهد لصورة الولىّ والنّاظر الى ملكوته أحسن من القابل الغائب عن المشاهدة ، وتلك المشاهدة هي الّتى تسمّى عند الصّوفيّة بالفكر وتمثّل صورة الشّيخ والنّظر الى صورته أحسن من جميع أفعاله والمتحقّق بحقيقة الولاية وأفعاله أحسن من القابل المشاهد وأفعاله (وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ) اعلم ، انّه تعالى وصف كتاب موسى (ع) بكونه تماما وتفصيلا لكلّ شيء هاهنا وقال في سورة الأعراف : (وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ) وهذا يدلّ على انّه تعالى جعل في كتاب رسالته كلّ شيء مشتملا على كلّ شيء وكلّ شيء مظهرا تامّا ومرآة كاملة لكلّ شيء ، وقد قال بعض الصّوفيّة : كلّ شيء في كلّ شيء لكن ليس لكلّ أحد ان ينظر كلّ شيء في كلّ شيء ، ولهذا قال : وكتبنا لموسى وما كان لغيره ذلك ، ولمّا كان موسى (ع) بعد نبيّنا (ص) وبعد إبراهيم (ع) أوسع نظرا من حيث النّظر الى الكثرات ومراتب كلّ ومباديه وغاياته ، وصف كتابه المنزل عليه بأنّه كتب له فيه من كلّ شيء تفصيلا لكلّ شيء ، بمعنى انّه تعالى جعل لوح صدر موسى (ع) بحيث إذا انتقش فيه شيء من الأشياء انتقش فيه جميع مباديه الى مبدء المبادى وجميع غاياته الى غاية الغايات ، وانتقش جميع لوازم المبادى والغايات ، وإذا انتقش جميع المبادى والغايات ولوازمها في شيء لم يبق شيء الّا انتقش ، فيه لانّ الموجودات كلّها متلازمات إذ الكلّ معاليل علّة واحدة (وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ) اى
![تفسير بيان السعادة في مقامات العبادة [ ج ٢ ] تفسير بيان السعادة في مقامات العبادة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3364_tafsir-bayan-alsaade-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
