لانّ من علم الأسباب الخفيّة الرّوحانيّة والجليّة الجسمانيّة وتوجيه تلك الأسباب نحو مسبّب بعيد الحصول كان عالما بكلّ شيء من الجليل والحقير وهو تأكيد وتعميم بعد اطلاق وتخصيص (اعْلَمُوا) بعد ما ذكر شمول علمه لكلّ شيء اقتضى المقام ترغيب المنحرفين عن علىّ (ع) الى التّوبة والرّجوع اليه بسبب شمول غفرانه ورحمته وترهيب المنحرفين عنه بشدّة عقابه واطّلاعه على سرائرهم فقال إذا علمتم انّه بكلّ شيء عليم من الإعلان والأسرار والضّمائر فاعلموا (أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ) لمن تهاون في حرمات الله وأضمر في حقّ علىّ (ع) خلاف ما قلت لهم (وَأَنَّ اللهَ غَفُورٌ) يغفر زلّات من تهاون في الحرمات وزلّات من خالف عليّا (ع) إذا تاب وعاد الى ما تهاون به والى علىّ (ع) (رَحِيمٌ) يتفضّل عليه بسبب رحمته (ما عَلَى الرَّسُولِ) جواب سؤال مقدّر كأنّه قيل : اما يقدر الرّسول (ص) الّذى بين أظهرنا على دفع العقاب؟ أو قيل : اما يقدر الرّسول (ص) على ان يحملنا على الطّاعة واستحقاق الرّحمة فقال : ما على الرّسول (إِلَّا الْبَلاغُ) لا الحفظ من العقاب ولا الحمل على الطّاعة وقد بلّغ ما كن عليه تبليغه وأعظمها وأشرفها وأساسها الولاية وقد بلّغها على رؤس الاشهاد في محضر نحو من سبعين ألفا (وَاللهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ) من الأقوال والأفعال من الطّاعة والمخالفة وتولّى علىّ (ع) والتولّى عنه (وَما تَكْتُمُونَ) من مكمونات نفوسكم الّتى لا تعلمونها ولا تستشعرون بها ومن عقائدكم ونيّاتكم وعزماتكم الّتى لا يعلمها غير كم ، ومن أقوالكم وأفعالكم الّتى تخفونها عن إنسان آخر أو تخفونها عن غير رفقائكم فاحذروا ان تقولوا أو تفعلوا أو تضمروا خلاف ما قال لكم محمّد (ص) في امر دينكم ، أو ما قاله في حقّ علىّ (ع) (قُلْ) يا محمّد (ص) لامّتك (لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ) يعنى ذكّرهم بهذه الكبرى الكلّيّة البديهيّة حتّى يكونوا على ذكر منها وعلى الحذر من الخبيث والرّغبة في الطّيّب حين عراهم خبيث أو طيّب من الأعمال والأخلاق والأوصاف والحيوان والإنسان بان يقولوا هذا خبيث أو طيّب وكلّ خبيث مكروه وكلّ طيّب مرغوب فيه ، والمنظور هو المقصود من كلّ مقصود وهو ولاية علىّ (ع) وولاية أعدائه فانّ طيبوبة علىّ (ع) لا ينكره أحد (وَلَوْ أَعْجَبَكَ) كلام من الله والخطاب لمحمّد (ص) يعنى يا محمّد (ص) قل لهم لا يستويان لو لم يعجبك ولو أعجبك (كَثْرَةُ الْخَبِيثِ) أو جزء مفعول للقول والخطاب حينئذ لغير معيّن يعنى قل لهم لا يستويان ولو أعجبكم كثرة الخبيث فانّ السّنخيّة الغالبة في وجود الأكثر مع الخبيث تقتضي اتّباع الخبيث وكثرته ، وعدم السّنخيّة بين الخلق والطّيّب يقتضي عدم اتّباعه وكون القلّة في جانبه «ف» لا تنظروا الى الكثرة ولا تغفلوا عن الطّيبوبة و (فَاتَّقُوا اللهَ) في ترك الطّيّب واتّخاذ الخبيث (يا أُولِي الْأَلْبابِ) فانّكم المخاطبون المعتنى بكم لا غيركم فانّهم ليس لهم تميز الطّيّب من الخبيث حتّى يستحقّوا الخطاب بترك الخبيث (لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ) يعنى ان تسألوا لا محالة عنها فحين ينزّل القرآن نظهره عليكم فقوله حين ينزّل القرآن متعلّق بتبد ، عن أمير المؤمنين (ع) خطب رسول الله (ص) فقال : انّ الله كتب عليكم الحجّ فقال عكاشة بن محصن وروى سراقة بن مالك : أفي كلّ عام يا رسول الله (ص) فاعرض عنه حتّى عاد مرّتين أو ثلاثا فقال رسول الله : ويحك وما يؤمنك ان أقول : نعم والله لو قلت : نعم لوجبت ولو وجبت ما استطعتم ولو تركتم كفرتم فاتركوني ما تركتم
![تفسير بيان السعادة في مقامات العبادة [ ج ٢ ] تفسير بيان السعادة في مقامات العبادة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3364_tafsir-bayan-alsaade-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
