بإخلاصهم وتوحيدهم له في العقيدة وفي العبادة ، ولذلك فإن هذه الآية إذا كانت استثناء من الآية السابقة ، فإنها تكون بمثابة التصريح بما توحيه أجواء تلك الآية (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى) وهم الذين وعدهم الله بالمغفرة ، وبشرهم بالنجاة في الآخرة من الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، وبلغوا رسالات الله ، فأقبلوا على الإيمان بقناعة فكرية عميقة واعية ، وانسجموا مع الموقف الذي ينطلق في خط العمل الصالح ، وهؤلاء لا يختصون بجماعة معينة ، بل يشملون كل الناس المؤمنين الصالحين ، وبذلك يخرج من الآية السابقة ممن ذكرتهم الرواية ، من ضمن المجموع ، لا من خلال الخصوصية ، لتختص الآية بهم ، لأنها تقرّر المبدأ الذي ينجو به الناس من عذاب جهنم ، وهو الإيمان بالله والعمل بمقتضياته.
(أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ) فهم بعيدون عن النار لبعد أعمالهم عن أعمال الذين يدخلونها في جميع المجالات ، (لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها) في ما يمثله صوتها الذي يثير الإحساس ويخيفه ويهزّه ويرعيه ، لأن الله أراد أن يبعدهم عن كل شيء يذكرهم بها أو يربطهم بأهوالها ، ليعيشوا الهدوء النفسي الذي لا يعكر صفوه شيء مما يرى أو مما يسمع ، (وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خالِدُونَ) حيث يعيشون في نعيم الجنة ورضوان الله ، في هذا الجو الخالد من السعادة واللطف واللذة والنعيم ، الذي يوحي لهم بالاكتفاء الذاتي في كل ما يشتهون ، حتى لا يبقى هناك شيء آخر يفكرون به في أية حاجة.
(لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ) وهو الخوف الأعظم الذي يفزع منه كل من في السماوات والأرض فترتجف منه القلوب ، وتخشع فيه الأصوات ، وتحزن فيه النفوس ، بل يواجهون ، بدلا من ذلك البشارة الإلهية من الملائكة ، (وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ) باللطف والبشرى ، (هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ) حيث وعدكم الله الجنة التي وعد الله بها عباده المتقين.
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١٥ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3280_tafsir-men-wahi-alquran-15%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
