المشركين ، وعدم اللجوء إلى قتلهم في المعركة ، وذلك من أجل الحصول على الفداء ، ليستفيدوا به في تقوية أنفسهم ماليا. وتلك نقطة ضعف يسجلها الله عليهم في هذا الاتجاه ، فإن المقاتل الذي يشعر بخطورة القوة الكبرى المهيمنة على شؤون الناس بالظلم والسيطرة ، لا يعيش في المعركة هاجس النفع المادي ، بقدر ما يعيش هاجس القضاء عليها ، بالقضاء على كل رموزها لئلّا تكون فتنة ويكون الدين لله ... لا سيّما في المرحلة الصعبة التي خاض فيها المسلمون المعركة غير المتكافئة ضد قريش وانتصروا فيها ، ممّا يفرض التفكير في إضعاف أيّة مبادرة مستقبلية لمعركة جديدة ، في ما يمكن أن تفكر به قريش من هجوم جديد ثأرا لنفسها. ولكنها التجربة الأولى للمسلمين الذين كانوا يخوضون فيها معركة الوجود واللاوجود للإسلام. فخاضوها على الطريقة التي كانوا يخوضون فيها معاركهم الخاصة سابقا ، في قتل البعض ، والإبقاء على البعض الآخر من أجل الفداء ، فكانت هذه الآية تناقش المسألة من زاوية المصلحة الإسلامية العليا في حركة الأنبياء ، فليس للنبي الداخل في معركة من معارك الإيمان والكفر ، أن يكون له أسرى ، حتى يتمكن في الأرض ويستقر ويثبّت أقدامه ، لينطلق ـ بعد ذلك ـ من موقع قوة ، بعيدا عن إمكانات التحرّك المضاد من قبل الأعداء.
(تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا) الذي يزول بسرعة (وَاللهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ) فهي التي ينبغي لهم أن يستهدفوها في معاركهم ، تحقيقا لمرضاة الله بتحقيق غاياته التي أقام عليها حركة المعركة ، فإن المؤمن يريد ما يريده الله ، ويحب ما يحبه ، ويتجرد عن النوازع الذاتية والمنافع الشخصية ... (وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) فلا يغلب في ما يريده ، ولا يعبث في ما يشرّعه من أحكام وما يبيّنه من تعاليم ... (لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ) في عدم تعذيبكم وإهلاككم ، لأنه أراد أن يفسح لكم المجال من أجل أن تتعمّقوا في المعرفة التي تفتح لكم باب التجربة الحية الواعية ، التي تتعامل مع النتائج المستقبلية للأحداث بدلا من النتائج
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١٠ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3272_tafsir-men-wahi-alquran-10%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
