الثالث : أنّ قول « حيّاك الله » جملة دعائيّة ولمّا كان الدعاء يستلزم الإجابة لا يستدعي اطمينان الخاطر وسكون النفس ، بخلاف « السلام عليك » فإنّها جملة خبريّة ومقتضاها تحقّق السلامة والأُنس ، فإذا سمعها السامعون صارت سبباً في راحة الخاطر وسكون البال وأمان الفؤاد على أنّ من قال « حيّاك الله » له أن يعتذر إذا لزم الأمر أنّ دعائه لم يُستجب ، ولكن لا عذر لصاحب السلام في العذر لأنّ صريح الجمله الخبريّة سلامة المسلَّم عليه من المسلِّم فإذا تخلّف عن مفادّها عُدّ كذّاباً صراحة لا ضمناً ؛ فافهم .. (١) .
الرابع : قال العلماء : إنّ الأصل في جبلّة الحيوان الخير أو الشر ؟ فمنهم من قال : الأصل فيها الشرّ وهذا كالإجماع المنعقد بين جميع أفراد الإنسان ، بل نزيد ونقول :
إنّه كالإجماع المنعقد بين جميع الحيوان والدليل عليه أنّ كلّ إنسان يرى إنساناً يعدو إليه مع أنّه لا يعرفه فإنّ طبعه يحمله على الاحتراز عنه والتأهّب لدفعه ولولا أنّ طبعه يشهد بأنّ الأصل في الإنسان الشرّ لما أوجبت فطرة العقل التأهّب لدفع شرّ ذلك الساعي إليه بل قالوا هذا المعنى حاصل في كلّ الحيوانات فإنّ كلّ حيوان عدا إليه حيوان آخر فرّ ذلك الحيوان الأوّل واحترز منه فلو تقرّر في طبعه أنّ الأصل في هذا الواصل هو الخير لوجب أن يقف ( لأنّ أصل الطبيعة يحمل على الرغبة في وجدان الخير ولو كان الأصل في طبع الحيوان أن يكون خيره وشرّه على التعادل والتساوي وجب أن يكون الفرار والوقوف متعادلين فلمّا لم يكن الأمر كذلك بل كلّ حيوان توجّه إليه حيوان مجهول الصفة عند الأوّل فإنّ ذلك
_________________
(١) رضي الله عن هذا الشيخ الجليل بما يتفتّق عنه ذهنه من هذه المعاني ، وهل يدرك بعض هذا أبناء الجاهليّة وهم همج رعاع ؟!
