وجملة القول : أنّه علم ممّا تقدّم أنّ معنى السلام هو السلامة والراحة ، ولفظ الجار « على » في « عليك » يفيد الشمول والإحاطة كما في « رحمة الله عليه » و « رضوان الله عليه » وأمثالهما . ويظهر من كلام العلماء وجوه لترجيح هذه التحيّة وإن كان بعضها لا يخلو من النقاش في النظر الدقيق لولا أنّ الغرض في ذكر هذه المطالب الإقناع والتقريب ، ونشير إلى بعضها على وجه الإجمال :
الأوّل : توجد في صيغ التحيّة الأُخرى ألفاظ خاصّة من الدعاء وغيره وفي هذه التحيّة يوجد الإخبار بالسلامة الطاردة لجميع الآفات والشرور من الموت والقتل والأسقام والمذلّة والفقر وغيرها ؛ فهي أشمل .
الثاني : يرجع إلى العصر الجاهلي حين جرت العادة أن يغير البعض على البعض الآخر ، أو يستولي على صاحبه بالغدر والحيلة ، وكانت تحاياهم المعتادة لا تؤمن رخاء البال وسكون القلب بصراحة صيغة السلام يتضمّن معناها راحة القلوب وسكينة النفس ، فهي أوّل ما يرد السمع من كلام المخاطب ويكون السلام مبدأ للتلاقي ، فيحمل في طيّاته نواة البشر وطيب النفس والأمان من جميع الصور المتخيّلة الضارّة .
_________________
أبي سعيد عن رسول الله صلىاللهعليهوآله : إنّ الله هو السلام ومنه السلام وإليه السلام ، وعلى جبرئيل السلام . ( بحار الأنوار ١٨ : ٣٨٥ ط طهران )
اللهمّ أنت السلام ومنك السلام وإليك السلام وإليك يعود السلام ودارك دار السلام . ( بحار الأنوار ١٠٠ : ٤١٢ ، مفاتيح الجنان أعمال مسجد الكوفة )
اللهمّ أنت السلام ومنك السلام وإليك يرجع السلام . ( بحار الأنوار ١٠١ : ٢٠٩ ط طهران )
والسلام هنا ينطبق على المعاني الثلاثة : « هو السلام » باعتباره تعالى ذاتاً مقدّسة عن سمات الإمكان ، و « منه السلام » باعتبار أنّه يحمي ويسلم خلقه من الآفات وذلك من ألطافه ، و « إليه السلام » باعتبار أنّ غاية الموجودات ذوات الاستعداد بلوغ القرب من حضرته كما قال الحكيم المعاصر :
|
يا واهب العقل لك المحامد |
|
إلى جنابك انتهى المقاصد |
وهو أحسن شعره فاحتفظ مّا ذكرناه واغتنمه . ( منه رحمهالله )
