لمثل هذا الشرط هو (لو) الامتناعية ، فالتقدير : ولو كان معه إله لذهب كل إله بما خلق.
وبقاء اللام في صدر الكلام الواقع بعد (إذن) دليل على أن المقدر شرط (لو) لأن اللام تلزم جواب (لو) ولأن غالب مواقع (إذن) أن تكون جواب (لو) فلذلك جاز حذف الشرط هنا لظهور تقديره.
وقد تقدم بيان ذلك عند قوله تعالى : (إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ) في سورة النساء [١٤٠].
فقوله : (إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ) استدلال على امتناع أن يكون مع الله آلهة.
وإنما لم يستدل على امتناع أن يتخذ الله ولدا لأن الاستدلال على ما بعده مغن عنه لأن ما بعده أعم منه وانتفاء الأعم يقتضي انتفاء الأخص فإنه لو كان الله ولد لكان الأولاد آلهة لأن ولد كل موجود إنما يتكون على مثل ماهية أصله كما دل عليه قوله تعالى : (قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ) [الزخرف : ٨١] أي له.
والذهاب في قوله (لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ) مستعار للاستقلال بالمذهوب به وعدم مشاركة غيره له فيه. وبيان انتظام هذا الاستدلال أنه لو كان مع الله آلهة لاقتضى ذلك أن يكون الآلهة سواء في صفات الإلهية وتلك الصفات كمالات تامة فكان كل إله خالقا لمخلوقات لثبوت الموجودات الحادثة وهي مخلوقة ، فلا جائز أن تتوارد الآلهة على مخلوق واحد لأن ذلك : إما لعجز عن الانفراد بخلق بعض المخلوقات وهذا لا ينافي الإلهية ، وإما تحصيل للحاصل وهو محال ، فتعين أن ينفرد كل إله بطائفة من المخلوقات. ولنفرض أن تكون مخلوقات كل إله مساوية لمخلوقات غيره بناء على أن الحكمة تقتضي مقدارا معينا من المخلوقات يعلمها الإله الخالق لها ؛ فتعين أن لا تكون للإله الذي لم يخلق طائفة من المخلوقات ربوبية على ما لم يخلقه وهذا يفضي إلى نقص في كل من الآلهة وهو يستلزم المحال لأن الإلهية تقتضي الكمال لا النقص. ولا جرم أن تلك المخلوقات ستكون بعد خلقها معرضة للزيادة والنقصان والقوة والضعف بحسب ما يحف بها عن عوارض الوجود التي لا تخلو عنها المخلوقات كما هو مشاهد في مخلوقات الله تعالى الواحد. ولا مناص عن ذلك لأن خالق المخلوقات أودع فيها خصائص ملازمة لها كما اقتضته حكمته ، فتلك المخلوقات مظاهر لخصائصها لا محالة فلا جرم أن ذلك يقتضي تفوق مخلوقات بعض الآلهة على مخلوقات بعض آخر بعوارض من التصرفات والمقارنات لازمة لذلك ، لا جرم يستلزم ذلك كله لازمين باطلين :
![تفسير التّحرير والتّنوير [ ج ١٨ ] تفسير التّحرير والتّنوير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2925_altahrir-wal-tanwir-18%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
