جدا) أو باشتماله على الإخبار بالمغيبات والكل فاسد». ا ه.
وقال السيد الجرجاني فهذه أقوال خمسة في وجه الإعجاز لا سادس لها.
وقال السيد أراد المصنف أن الإعجاز نفسه وإن لم يمكن وصفه وكشفه بحيث يدرك به لكن الأمور المؤدية إلى كون الكلام معجزا أعني وجوه البلاغة قد تحتجب فربما تيسر كشفها ليتقوّى بذلك ذوق البليغ على مشاهدة الإعجاز.
يريد السيد بهذا الكلام إبطال التدافع بين قول صاحب «المفتاح» : يدرك ولا يمكن وصفه إذ نفى الإمكان ، وبين قوله نعم للبلاغة وجوه متلثمة ربما تيسرت إماطة اللثام عنها ، فأثبت تيسر وصف وجوه الإعجاز ، بأنّ الإعجاز نفسه لا يمكن كشف القناع عنه ، وأما وجوه البلاغة فيمكن كشف القناع عنها.
واعلم أنّه لا شك في أنّ خصوصيات الكلام البليغ ودقائقه مرادة لله تعالى في كون القرآن معجزا وملحوظة للمتحدّين به على مقدار ما يبلغ إليه بيان المبيّن. وأن إشارات كثيرة في القرآن تلفت الأذهان لذلك ويحضرني الآن من ذلك أمور : أحدها : ما رواه مسلم والأربعة عن أبي هريرة قال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : «قال الله تعالى : قسمت الصلاة (أي سورة الفاتحة) بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل : فإذا قال العبد : (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ) قال الله تعالى : حمدني عبدي. وإذا قال : (الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) قال الله تعالى أثنى علي عبدي. وإذا قال : (مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) قال : مجدني عبدي ، وقال مرة : فوض إلي عبدي ، فإذا قال : (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) قال : هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل ، فإذا قال : (اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ) [الفاتحة : ٢ ـ ٧] ، قال : هذا لعبدي ولعبدي ما سأل.
ففي هذا الحديث تنبيه على ما في نظم فاتحة الكتاب من خصوصية التقسيم إذ قسم الفاتحة ثلاثة أقسام. وحسن التقسيم من المحسنات البديعية ، مع ما تضمّنه ذلك التقسيم من محسن التخلص في قوله : (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) ، قال : «هذا بيني وبين عبدي» إذ كان ذلك مزيجا من القسمين الذي قبله والذي بعده.
وفي القرآن مراعاة التجنيس في غير ما آية والتجنيس من المحسنات ، ومنه قوله تعالى : (وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ) [الأنعام : ٢٦].
وفيه التنبيه على محسّن المطابقة كقوله : (فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ)
![تفسير التّحرير والتّنوير [ ج ١ ] تفسير التّحرير والتّنوير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2905_altahrir-wal-tanwir-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
