للتاريخ (١) ، وكان يعينه على ذلك شيئان : وفور عقل وصحّة دين ، وكان ملاك أمره (٢) إخلاص العمل لله.
أخبرنا أبو محمّد بن طاوس ، حدّثنا سليمان بن إبراهيم بن محمّد ، حدّثنا محمّد بن إبراهيم بن جعفر اليزدي ، حدّثني محمّد بن محمّد الجرجاني ، أنبأنا أبو علي قتيبة بن عبد العزيز اليماني قال : سمعت عبد الله بن محمّد البلوي ـ بمكة ـ يقول :
جلسنا ذات يوم نتذاكر الزهّاد والعبّاد والعلماء ، وما بلغ من فصاحتهم وزهدهم وعلمهم. فبينا نحن كذلك إذ دخل علينا عمر بن بنانة فقال : فيم تتحاورون؟ فقلنا : نتذاكر الزهّاد ، والعبّاد وفصاحتهم ، فقال عمر : والله ما رأيت رجلا قط أورع ، ولا أخشع ، ولا أفصح ، ولا أصبح ، ولا أسمح ، ولا أعلم ، ولا أكرم ، ولا أجمل ، ولا أنبل ، ولا أفضل من محمّد بن إدريس الشّافعي ـ رحمة الله عليه ـ خرجت أنا وهو ، والحارث بن لبيد إلى الصفا ، وكان الحارث بن لبيد قد صحب صالحا المرّي ، وكان من الخاشعين المتقين الزاهدين ، وكان حسن الصوت بالقرآن ، فقرأ بسم الله الرّحمن الرحيم ، (هذا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْناكُمْ وَالْأَوَّلِينَ. فَإِنْ كانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ. وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ)(٣) قال : فرأيت الشّافعي قد اضطرب وتغيّر لونه ، وبكا بكاء شديدا حتى لصق بالأرض ، قال : فأبكاني والله قلقه وشدة خوفه لله عزوجل ، ثم لم يتمالك أن قال : إلهي أعوذ بك من مقام الكذابين ، وأعلام الغافلين ، إلهي خشعت لك قلوب العارفين ، وولهت بك همم المشتاقين ، فهب لي جودك ، وجلّلني سترك ، واعف عني بكرم وجهك ، يا كريم ، قال : ثم قمنا وتفرّقنا.
أخبرنا أبو الفتح نصر الله بن محمّد ، أنبأنا أبو البركات بن طاوس ، أنبأنا أبو القاسم الأزهري ، أنبأنا أبو علي بن حمكان ، حدّثنا محمّد بن الحسن النقاش ، حدّثنا محمّد بن هارون ـ بطبرستان ـ حدّثنا أبو حاتم ، عن الأصمعي قال : ما هبت عالما قط ما هبت مالكا حتى لحن ، فذهبت هيبته من قلبي ، وذلك أنّني سمعته يقول : مطرنا مطرا ، وأي مطرا ، فقلت له في ذلك ، فقال : كيف لو قد رأيت ربيعة بن أبي عبد الرّحمن كنا إذا قلنا له كيف أصبحت يقول : بخيرا بخيرا ، وإذا مالك قد جعل لنفسه قدوة يقتدي به في اللحن ، ثم رأيت محمّد بن
__________________
(١) بالأصل وم ود : لتاريخ.
(٢) ملاك أمره : الملاك بالكسر والفتح : قوام الشيء ، وما يعتمد عليه فيه.
(٣) سورة المرسلات ، الآيات ٣٨ إلى ٤٠.
![تاريخ مدينة دمشق [ ج ٥١ ] تاريخ مدينة دمشق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2407_tarikh-madina-damishq-51%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
