لي : رجل من قريش ، ثم من بني المطّلب رضي من دنياه ودينه أن يكون معلّما ، ما الشعر يا هذا؟ إذا استحكمت فيه وبلغت منه كنت إلّا معلما تفقّه رحمك الله ، يعلّيك (١) الله ويرفعك وينفعك ، قال : فنفعني الله بكلام ذلك الحجبي ، فرجعت إلى مكة فكتبت من ابن عيينة ما شاء الله أن أكتب ، ثم إنّي كنت أجالس مسلّم بن خالد الزّنجي ثم قدمت (٢) على أبي عبد الله مالك بن أنس فكتبت موطّأه ثم قلت : يا أبا عبد الله أقرأ عليك؟ فقال لي : يا بن أخي تأتي برجل يقرأه عليّ وتسمع ، فقلت له : أنا أقرأه عليك فتسمع إلى قراءتي ، فقال لي : اقرأ ، فلمّا سمع قراءتي وأصغى إلى كلامي بقراءة الكتب أعجبه ذلك ، فلم يزل يقول لي اقرأ فقرأت عليه كتبه حتى بلغت كتاب السّير ، فقال : الصّلاة يا بن أخي ، فانتهيت ثم قال لي : يا بن أخي تفقّه تعل (٣) ، تفقّه يرفعك الله بالعلم في الدنيا والآخرة ، واعلم يا بن أخي أن العلم لا يحتمل الدنس ، وفقك الله ، أرشدك الله ، سدّدك الله ، قال : فمضيت إلى أبي (٤) مصعب بن عبد الله فكلّمته وسألته أن يكلّم لي بعض أهلنا رجلا من قريش أسميته له أن يدفع إلي شيئا من دنياه ، فإنه كان بي من الفقر والفاقة ما الله به عليم ، فقال لي أبو مصعب : أتيت الرجل وكلّمته في بابك فقال : أتكلّمني في رجل كان منّا فخالفنا فلم أدعه حتى أعطاني مائة دينار وها هي هذه ، قال : فدفعها أبو مصعب إليّ ثم قال أبو مصعب : إنّ أمير المؤمنين هارون الرشيد ـ أصلحه الله ـ قد كتب إليّ أن أصير إلى اليمن قاضيا عليها فتخرج معي ، فلعل الله أن يعوّضك ما أملت من هذا الرجل وأكثر ، قال : فخرج أبو مصعب قاضيا على اليمن وخرجت معه ، فلمّا صرنا باليمن وجالسنا الناس كتب مطرف بن (٥) مازن إلى أمير المؤمنين : إن أردت يا أمير المؤمنين ـ أصلحك الله ـ اليمن ، وأردت أن لا تخرج عن يدك فأخرج عنها محمّد بن إدريس ، وذكر معي أقواما من الطالبيين قال : فكتب أمير المؤمنين هارون : إلى حمّاد البربري : أن أقبض على محمّد بن إدريس وأوثقه بالحديد ، وأنفذه إليّ إن شاء الله ، قال : فأخذني حمّاد ، وثقّلني بالحديد ، ولم يكن لأبي مصعب حيلة في أمري ، فلم أزل مثقلا بالحديد من اليمن إلى أن قدمت على أمير المؤمنين وهو إذ ذاك بالرقّة ، فأدخلت عليه وأخرجت من عنده ، وكان قد
__________________
(١) كذا بالأصل وم وت ود ، وفي سير الأعلام : «يعلك» وفي الحلية : يعلمك.
(٢) كذا بالأصل ، وم ، وت ، ود ، وفي الحلية : قرأت.
(٣) بالأصل وم وت ود : «تعلوا» والتصويب عن حلية الأولياء.
(٤) كذا بالأصل وم وت ود ، وفي الحلية وسير الأعلام : مصعب بن عبد الله.
(٥) بالأصل : «من» تصحيف ، والتصويب تصحيف عن م ، وت ، ود ، والحلية.
![تاريخ مدينة دمشق [ ج ٥١ ] تاريخ مدينة دمشق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2407_tarikh-madina-damishq-51%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
