ويخلب اللّبّ ، وينير الفكر وينعش الرّوح ، ويبعث الذّكريات الجميلة ، ويوحي بالمعاني النّبيلة ، فأكاد أخرج عن جلدي ، وأغيب عن نفسي ، وألامس العالم القدسي ، وأتأكّد أن ليس بين الأدعية وبين سماء القبول حجاب ، وأن قد انفتح من الخير بشهادة القشعريرة وهيمنة الروحنة كلّ باب ، لا أفضل ولا أجمل ولا أروع ولا أبدع عندي من ذلك .. إلّا مجالسة بالروضة الشّريفة تجاه القبر الأعظم ، وقعودي على بطحاء أمّ المناسك عشيّات الأشتية إزاء البيت المعمور ، ثمّ أنثني على كبدي خشية أن تقطّع ، وألوث بردي على صدري حذار أن يتفلّق.
|
فلو فلق الفؤاد شديد وجد |
|
لهمّ سواد قلبي بانفلاقي (١) |
وما أشدّ رقّتي لأولئك الّذين يتشتّتون في البلدان ، ويفارقون هذه الأوطان.
|
وارحمتا للغريب في البلد النّا |
|
زح ماذا بنفسه صنعا (٢) |
|
فارق أحبابه فما انتفعوا |
|
بالعيش من بعده وما انتفعا |
ولو أنّهم جمعوا قناطير الرّقين (٣) .. لما استعاضوا إلّا بتدارك اللّيالي اللّواتي بقين ، وماذا يفيدون وقد رضوا بالدّون ، وأبناؤهم يتامى ، وأزواجهم أيامى.
|
كم غادة في ظلام اللّيل باكية |
|
على أليف لها يهوي به الطّلب (٤) |
فالقلوب تنذاب ، والبين أكبر عذاب ، يبعث الشّجون ، ويكثر الدّجون ، ويشبه السّجون ، وما لي أرى الأحباب والأولاد يذهبون ثمّ لا يجيئون ، وقد قال القطب الحدّاد [في «ديوانه» ٩١ من البسيط] :
|
مشتّتون بأطراف البلاد على |
|
رغم الأنوف كما تهواه حسّاد |
__________________
(١) البيت من الوافر ، وهو لأمية بن الأسكر كما في «خزانة الأدب» (٦ / ٢٠).
(٢) البيتان من المنسرح ، وهما لعلي بن الجهم.
(٣) الرّقين : الدراهم.
(٤) البيت من البسيط ، وهو لحافظ إبراهيم في «ديوانه» (١ / ٢٦٩).
