تخليصه إياهم من الطوفان بما حملهم عليه ؛ ونجاهم منه ، حين أهلك من عداهم. وقد عرّفهم أنه إنما يؤاخذهم بذنوبهم وفسادهم فيما سلط عليهم من قتلهم ، ثم عاد عليهم بالإحسان والإفضال كي يتذكروا ويعرفوا قدر نعمة الله عليهم وعلى نوح الذي ولدهم وهم ذريته ، فلما جاروا (١) إلى جهالتهم وتمرّدوا عاد عليهم التعذيب.
ثم ذكر [الله] (٢) تعالى في ثلاث آيات بعد ذلك معنى هذه القصة ، بكلمات قليلة العدد ، كثيرة الفوائد ، لا يمكن شرحها إلا بالتفصيل الكثير والكلام المطوّل (٣) ، مع ما اشتمل عليه من التدريج العجيب ، [والموعظة العظيمة] (٤) بقوله : (إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها) (الإسراء : ٧) و[إن] (٥) لم ينقطع بذلك نظام الكلام ، إلى أن خرج إلى قوله : (عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا) (الإسراء : ٨) ، يعني إن عدتم إلى الطاعة عدنا إلى العفو. ثم خرج خروجا آخر إلى حكمة القرآن ؛ لأنه الآية الكبرى. وعلى هذا فقس الانتقال من مقام إلى مقام ، حتى ينقطع الكلام.
وبهذا يظهر لك اشتمال القرآن العظيم على النوع المسمّى بالتخلّص. وقد أنكره أبو العلاء محمد بن غانم المعروف بالغانميّ (٦) وقال : «ليس في القرآن الكريم منه شيء ، لما فيه من التكلّف». وليس كما قال.
ومن أحسن أمثلته قوله تعالى : (اللهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ...) (النور : ٣٥) الآية ، فإن فيها [خمس] (٧) تخلصات : وذلك أنه جاء بصفة النور وتمثيله ، ثم تخلّص منه إلى ذكر الزجاجة وصفاتها ، ثم رجع إلى ذكر النور والزيت (٨) [يستمدّ منه ، ثم تخلّص منه إلى ذكر الشجرة ، ثم تخلّص من ذكرها إلى صفة الزيت ، ثم تخلّص من صفة الزيت] (٨) إلى صفة النور وتضاعفه ، ثم تخلّص منه إلى نعم الله بالهدى على من يشاء.
__________________
(١) في المطبوعة : (صاروا).
(٢) ليست في المطبوعة.
(٣) في المطبوعة : (الطويل).
(٤) ساقطة من المخطوطة ، وهي من المطبوعة.
(٥) ساقطة من المطبوعة.
(٦) هو محمد بن غانم الغانمي المقدسي ولد سنة (٧١٢) وهو ممن أجاز لعبد الرحيم بن أبي غانم ابن الطرابلسي صاحب ابن حجر في سنة ثمانين. (ابن حجر ، الدرر الكامنة ٤ / ١٣٣).
(٧) ساقطة من المخطوطة ، وهي من المطبوعة.
(٨) ما بين الحاصرتين ساقط من المخطوطة وورد مكانه : (ثم).
![البرهان في علوم القرآن [ ج ١ ] البرهان في علوم القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2086_alburhan-fi-ulum-quran-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
