وكما في قوله تعالى : (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ) [النّساء : الآية ٦٤] لم يقل : واستغفرت لهم ، وعدل عنه إلى طريق الالتفات تفخيما لشأن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وتعظيما لاستغفاره ، وتنبيها على أن شفاعة من اسمه الرسول من الله بمكان.
وذكر السكاكي لالتفات امرىء القيس في الأبيات الثلاثة على تفسيره وجوها :
أحدها : أن يكون قصد تهويل الخطب واستفظاعه ؛ فنبّه في التفاتة الأول على أن نفسه وقت ورود ذلك النبأ عليها ولهت وله الثّكلى ، فأقامها مقام المصاب الذي لا يتسلّى بعض التّسلّي إلا بتفجّع الملوك له ، وتحزّنهم عليه ، وخاطبها بـ «تطاول ليلك» تسلية أو على أنها لفظاعة شأن النبأ أبدت قلقا شديدا ، ولم تتصبّر ـ فعل الملوك ـ فشك في أنها نفسه ، فأقامها مقام مكروب وخاطبها بذلك تسلية ، وفي الثاني على أنه صادق في التحزّن ـ خاطب أو لا ـ وفي الثالث على أنه يريد نفسه.
أو نبّه في الأول على أن النبأ لشدّته تركه حائرا ، فلما فطن معه لمقتضى الحال فجرى على لسانه ما كان ألفه من الخطاب الدائر في مجاري أمور الكبار أمرا ونهيا ، وفي الثاني على أنه بعد الصدمة الأولى أفاق شيئا ، فلم يجد النفس معه ، فبنى الكلام على الغيبة ، وفي الثالث على ما سبق.
أو نبه في الأول على أنها حين لم تثبت ، ولم تتبصّر غاظه ذلك فأقامها مقام المستحقّ للعتاب ، فخاطبها على سبيل التوبيخ والتعبير بذلك ، وفي الثاني على أن الحامل على الخطاب والعتاب لما كان هو الغيظ والغضب ، وسكن عنه الغضب بالعتاب الأول ، ولّى عنها الوجه وهو يدمدم قائلا : «وبات وباتت له» وفي الثالث على ما سبق.
هذا كلامه ، ولا يخفى على المنصف ما فيه من التعسف.
ومن خلاف المقتضى ما سماه السكاكي الأسلوب الحكيم ، وهو تلقّي المخاطب بغير ما يترقّب ، بحمل كلامه على خلاف مراده ، تنبيها على أنه الأولى بالقصد ، أو السائل بغير ما يتطلب ، بتنزيل سؤاله منزلة غيره ، تنبيها على أنه الأولى بحاله أو المهمّ له.
أما الأول فكقول القبعثرى للحجاج ـ لما قال له متوعّدا بالقيد : «لأحملنّك على الأدهم» ـ : «مثل الأمير يحمل على الأدهم والأشهب» فإنه أبرز وعيده في معرض الوعد وأراه بألطف وجه أن من كان على صفته في السلطان وبسطة اليد فجدير بأن يصفد ، لا
