واعلم أن ما ذكره هذا القائل من كون «كل» في النفي مفيدة للعموم تارة وغير مفيدة أخرى ؛ مشهور ، وقد تعرض له الشيخ عبد القاهر وغيره.
قال الشيخ : كلمة «كل» في النفي إن أدخلت في حيزه بأن قدم عليها لفظا ، كقول أبي الطيب : [المتنبي]
ما كلّ ما يتمنى المرء يدركه (١)
وقول الآخر : [أبو العتاهية]
ما كلّ رأي الفتى يدعو إلى رشد (٢)
وقولنا : «ما جاء القوم كلهم» و «ما جاء كل القوم» و «لم آخذ الدراهم كلها» و «لم آخذ كلّ الدراهم» أو تقديرا ، بأن قدّمت على الفعل المنفي وأعمل فيها ؛ لأن للعامل رتبته التقدم على المعمول ، كقولك : «كل الدراهم لم آخذ» ؛ توجّه النفي إلى الشمول خاصة دون أصل الفعل ، وأفاد الكلام ثبوته لبعض ، أو تعلقه ببعض ، وإن أخرجت من حيّزه ، بأن قدمت عليه لفظا ، ولم تكن معمولة لفعل المنفي ، توجّه النفي إلى أصل الفعل ، وعمّ ما أضيف إليه «كل» كقول النبي صلّى الله عليه وسلّم لما قال له ذو اليدين : «أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله» : «كل ذلك لم يكن» (٣) أي لم يكن واحد منهما ، لا القصر ، ولا النسيان ، وقول أبي النّجم :
|
قد أصبحت أمّ الحيارى تدّعي |
|
عليّ ذنبا كلّه لم أصنع (٤) |
__________________
(١) عجز البيت :
تجري الرياح بما لا تشتهي السفن
والبيت من البسيط ، وهو في ديوان المتنبي ٢ / ٢٣٥ (طبعة دار الكتب العلمية).
(٢) صدر البيت من البسيط ، وعجزه :
|
... |
|
إذا بدا لك رأي مشكل فقف |
(٣) أخرجه البخاري في الصلاة باب ٨٨ ، والأذان باب ٦٩ ، والسهو باب ٤ ، ٥ ، والأدب باب ٤٥ ، والأيمان باب ١٥ ، ومسلم في المساجد حديث ٩٧ ، ٩٨ ، ٩٩ ، ١٠٢ ، وأبو داود في الصلاة باب ١٨٩ ، والترمذي في الصلاة باب ١٧٥ ، والنسائي في السهو باب ٢٢ ، وابن ماجة في الإقامة باب ١٣٤ ، ومالك في النداء حديث ٥٨ ، ٥٩ ، وأحمد في المسند ٢ / ٧٧ ، ٢٣٥ ، ٤٢٣ ، ٤٦٠.
(٤) الرجز لأبي النجم في تخليص الشواهد ص ٢٨١ ، وخزانة الأدب ١ / ٣٥٩ ، والدرر ٢ / ١٣ ، وشرح أبيات سيبويه ١ / ١٤ ، وشرح شواهد المغني ٢ / ٥٤٤ ، وشرح المفصل ٦ / ٩٠ ، والكتاب ١ / ٨٥ ، والمحتسب ١ / ٢١١ ، ومعاهد التنصيص ١ / ١٤٧ ، ومغني اللبيب ١ / ٢٠١ ، والمقاصد النحوية ٤ / ٢٢٤ ، وتاج العروس (خير) ، وبلا نسبة في الأغاني ١٠ / ١٧٦ ، وخزانة الأدب ٣ / ٢٠ ، ٦ / ٢٧٢ ، والخصائص ٢ / ٦١ ، وشرح المفصل ٢ / ٣٠ ، والكتاب ١ / ١٢٧ ، والمقتضب ٤ / ٢٥٢ ، وهمع الهوامع ١ / ٩٧ ، ويروى «أم الخيار» بدل «أم الحيارى».
