وقول أبي الطيّب :
|
فلا الجود يفني المال والجدّ مقبل |
|
ولا البخل يبقي المال والجدّ مدبر (١) |
ومثال مقابلة أربعة بأربعة قوله تعالى : (فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى) (١٠) [الليل : الآيات ٥ ـ ١٠]. فإن المراد بـ «استغنى» أنه زهد فيما عند الله ، كأنه مستغن عنه ؛ فلم يتّق ، أو استغنى بشهوات الدنيا عن نعيم الجنة ؛ فلم يتّق.
قيل : وفي قول أبي الطيّب :
|
أزورهم وسواد الليل يشفع لي |
|
وأنثني وبياض الصبح يغري بي (٢) |
مقابلة خمسة بخمسة ، على أن المقابلة الخامسة بين «لي» و «بي».
وفيه نظر ؛ لأن اللام والباء فيهما صلتا الفعلين ؛ فهما من تمامهما.
وقد رجّح بيت أبي الطيّب على بيت أبي دلامة بكثرة المقابلة ، مع سهولة النظم ، وبأن قافية هذا ممكنة وقافية ذاك مستدعاة ، فإن ما ذكره غير مختص بالرجال.
وبيت أبي دلامة على بيت أبي الطيب بجودة المقابلة ، فإن ضدّ الليل المحض هو النهار لا الصبح.
ومن لطيف المقابلة ما حكي عن محمد بن عمران التيمي إذ قال له المنصور : «بلغني أنك بخيل» فقال : «يا أمير المؤمنين ما أجمد في حقّ ولا أذوب في باطل».
وقال السكاكي : المقابلة : أن تجمع بين شيئين متوافقين أو أكثر وضدّيهما ، ثم إذا شرطت هنا شرطا هناك ضدّه ، كقوله تعالى : (فَأَمَّا مَنْ أَعْطى) [الليل : الآية ٥] الآيتين ، لما جعل التيسير مشتركا بين الإعطاء والاتقاء والتصديق ، جعل ضده وهو التعشير مشتركا بين أضداد تلك ، وهي المنع والاستغناء والتكذيب.
ومنه مراعاة النظير وتسمّى التناسب والائتلاف والتوفيق أيضا ، وهي أن يجمع في الكلام بين أمر وما يناسبه لا بالتضاد ، وكقوله تعالى : (الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ) (٥) [الرّحمن : الآية ٥] وقول بعضهم للمهلّبي (٣) الوزير : «أنت أيها الوزير إسماعيليّ الوعد ،
__________________
(١) البيت من الطويل ، وهو ليس في ديوان المتنبي ، وهو لعبد الله بن طاهر في الأغاني ٦ / ٤٣.
(٢) البيت من البسيط ، وهو في ديوان المتنبي ٢ / ٢١٠.
(٣) الوزير المهلبي : هو الحسن بن محمد بن هارون بن إبراهيم بن عبد الله المهلبي ، أبو محمد الوزير لمعز الدولة بن بويه الديلمي ، ولد بالبصرة سنة ٢٩١ ه ، وتوفي في طريق واسط ، وحمل ودفن ببغداد سنة ٣٥٢ ه ، صنف : ديوان الرسائل ، ديوان شعره ، كتاب في أصول النحو ، كتاب اللغة في مخارج الحروف. (كشف الظنون ٥ / ٢٧٠).
