لأن الأول مما يندر وجوده دون الثاني ؛ فإن الناس أبدا يرون في الصّياغات فضّة قد موّهت بذهب ، ولا يكاد يتفق أن يوجد درر قد نثرن على بساط أزرق. وكذا بيت بشار أعلى طبقة من قول أبي الطيّب :
|
يزور الأعادي في سماء عجاجة |
|
أسنّته في جانبيها الكواكب (١) |
وكذا من قول الآخر : [عمرو بن كلثوم]
|
تبني سنابكها من فوق أرؤسهم |
|
سقفا كواكبه البيض المباتير (٢) |
لأن كل واحد منهما ، وإن راعى التفصيل في التشبيه ؛ فإنه اقتصر على أن أراك لمعان الأسنّة والسيوف في أثناء العجاجة ، بخلاف بشّار ، فإنه لم يقتصر على ذلك ، بل عبّر عن هيئة السيوف وقد سلّت من أغمادها ، وهي تعلو وترسب وتجيء وتذهب ، وهذه الزيادة زادت التفصيل تفصيلا ؛ لأنها لا تقع في النفع إلا بالنظر إلى أكثر من جهة واحدة ؛ وذلك أن للسيوف عند احتدام الحرب واختلاف الأيدي بها في الضرب ، اضطرابا شديدا ، وحركات سريعة ، ثم لتلك الحركات جهات مختلفة ، تنقسم بين الاعوجاج والاستقامة ، والارتفاع والانخفاض ، ثم هي باختلاف هذه الأمور تتلاقى ، ويصدم بعضها بعضا ، ثم أشكالها مستطيلة ؛ فنبّه على هذه الدقائق بكلمة واحدة ، وهي قوله : «تهاوى» لأن الكواكب إذا تهاوت اختلفت جهات حركتها ، ثم كان لها في التهاوي تواقع وتداخل ، ثم استطالت أشكالها.
وكذا قول الآخر في الآذريون : [عبد الله بن المعتز]
|
مداهن من ذهب |
|
فيها بقايا غاليه (٣) |
أعلى وأفضل من قوله فيه : [عبد الله بن المعتز]
ككأس عقيق في قرارتها مسك (٤)
لأن السواد الذي في باطن الآذريونة ، الموضوع بإزائه الغالية والمسك ، فيه أمران ، أحدهما : أنه ليس بشامل له ، والثاني أنه لم يستدر في قعرها ، بل ارتفع منه حتى
__________________
(١) البيت من الطويل ، وهو في ديوان المتنبي ١ / ١١٩ ، وأسرار البلاغة ص ٢٠٠ ، والإشارات والتنبيهات ص ١٧٦.
(٢) البيت من البسيط ، وهو لعمرو بن كلثوم في الشعر والشعراء ص ٥٤٩ ، وأسرار البلاغة ص ٢٠١.
(٣) البيت من مجزوء الرجز ، وهو لعبد الله بن المعتز في العمدة ٢ / ١٨٣ ، وأسرار البلاغة ص ٢٠٢.
(٤) صدر البيت :
وحمل آذريونه فوق أذنه
والبيت من الطويل ، وهو لعبد الله بن المعتز في أسرار البلاغة ص ٢٠٢ ، وديوان المعاني ٢ / ٢٦.
