واعلم أن الطريق في اكتساب وجه الشبه أن يميّز عمّا عداه ، فإذا أردت أن تشبّه جسما بجسم في هيئة حركة ، وجب أن تطلب الوفاق بين الهيئة والهيئة مجرّدتين عن الجسم وسائر أوصافه من اللون وغيره ، كما فعل ابن المعتزّ في تشبيه البرق ؛ فإنه لم ينظر إلى شيء من أوصافه سوى الهيئة التي تجدها العين ، من انبساط يعقبه انقباض.
وأما أداته فالكاف في نحو قولك : «زيد كالأسد» وكأنّ في نحو قولك : «زيد كأنه أسد» و «مثل» في نحو قولك : «زيد مثل الأسد» وما في معنى «مثل» كلفظة «نحو» وما يشتقّ من لفظة «مثل» و «شبه» ونحوهما.
والأصل في الكاف ونحوها أن يليها المشبّه به ، وقد يليها مفرد لا يتأتّى التشبيه به ، وذلك إذا كان المشبّه به مركبا كقوله تعالى : (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ) [الكهف : الآية ٤٥] ؛ إذ ليس المراد تشبيه حال الدنيا بالماء ، ولا بمفرد آخر يتمحّل لتقديره ، بل المراد تشبيه حالها ، في نضارتها ، وبهجتها ، وما يتعقّبها من الهلاك والفناء ، بحال ، النبات يكون أخضر وارفا ، ثم يهيج ، فتطيره الرياح كأن لم يكن.
وأما قوله عزّ وجل : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصارَ اللهِ كَما قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوارِيِّينَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللهِ) [الصّف : الآية ١٤] فليس منه ؛ لأن المعنى (كُونُوا أَنْصارَ اللهِ) ، كما كان الحواريّون أنصار عيسى ، حين قال لهم : (مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللهِ؟).
وقد يذكر فعل ينبي عن التشبيه ، كعلمت في قولك : «علمت زيدا أسدا» ونحوه.
هذا إذا قرب التشبيه فإن بعّد أدنى تبعيد ؛ قيل : خلته وحسبته ونحوهما.
وأما الغرض من التشبيه فيعود في الأغلب إلى المشبه ، وقد يعود إلى المشبه به.
أما الأول فيرجع إلى وجوه مختلفة :
منها : بيان أن وجود المشبّه ممكن ، وذلك في كل أمر غريب يمكن أن يخالف فيه ويدّعي امتناعه ، كما في قول أبي الطيب :
|
فإن تفق الأنام وأنت منهم |
|
فإن المسك بعض دم الغزال (١) |
أراد أنه فاق الأنام في الأوصاف الفاضلة ، إلى حد بطل معه أن يكون واحدا منهم ، بل صار نوعا آخر برأسه أشرف من الإنسان ، وهذا ـ أعني أن يتناهى بعض أفراد النوع في الفضائل ، إلى أن يصير كأنه ليس منها ـ أمر غريب يفتقر من يدّعيه إلى إثبات
__________________
(١) البيت من الوافر ، وهو في ديوان المتنبي ٢ / ١٦.
