هذا الحجّاج قد قدم أميرا على العراق فإذا به قد دخل المسجد متعمما بعمامة (١) قد غطّى بها أكثر وجهه ، متقلدا سيفا ، متنكّبا قوسا ، يؤم المنبر ، فقام الناس نحوه ، حتى صعد المنبر فمكث ساعة لا يتكلم. فقال الناس بعضهم لبعض قبّح الله تعالى بني أمية حتى (٢) يستعمل مثل هذا على العراق ، فقال عمير بن ضابئ البرجمي : ألا أحصبه لكم؟ قالوا : أمهل حتى ننظر ، فلما رأى عيون الناس إليه ، حسر اللثام عن فيه ، فنهض فقال :
|
أنا ابن جلا وطلّاع الثنايا |
|
متى أضع العمامة تعرفوني |
[وقال : يا أهل الكوفة](٣) إني لأرى رءوسا قد أينعت وحان قطافها [وإني لصاحبها](٤) ، كأني أنظر إلى الدماء بين العمائم واللحى ثم قال :
|
ليس بعشّك فادرجي |
|
قد شمّرت عن ساقها فشمري |
[ثم قال :]
|
هذا أوان الشدّ فاشتدي [زيم] |
|
قد لفّها اللّيل بسوّاق حطم (٥) |
|
ليس براعي إبل ولا غنم |
|
ولا بجزّار على ظهر وضم (٦) |
[ثم قال :]
|
قد لفّها الليل بعصلبيّ (٧) |
|
أروع خراج من الدويّ (٨) |
|
مهاجر ليس بأعرابيّ |
||
[وقال :]
|
قد شمّرت عن ساقها فشدّوا |
|
وجدت الحرب بكم فجدوا |
|
والقوس فيها وتر عردّ (٩) |
|
مثل ذراع البكر أو أشدّ |
__________________
(١) بالأصل : «بعمة» والمثبت عن المصدرين.
(٢) في الكامل : حيث تستعمل.
(٣) الزيادة عن الكامل للمبرد.
(٤) الزيادة عن الكامل للمبرد.
(٥) قال المبرد في شرحه : هو الذي لا يبقي من السير شيئا ، ويقال : رجل حطم للذي يأتي على الزاد لشدة أكله ، ويقال للنار التي لا تبقي : حطمة.
(٦) الوضم : كل ما قطع عليه اللحم.
(٧) أي شديد.
(٨) أروع أي ذكي. وقوله : «خراج من الدوي» خراج من كل غماء شديدة. يقال للصحراء دوية وهي التي لا تنكاد تنقضي وهي منسوبة إلى الدو ، والدوّ : صحراء ملساء لا علم بها ولا أمارة.
(٩) العرد : الشديد.
![تاريخ مدينة دمشق [ ج ١٢ ] تاريخ مدينة دمشق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1780_tarikh-madina-damishq-12%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
