إنّي ـ والله يا أهل العراق ـ وما يقعقع لي بالشنان (١) ولقد فررت عن ذكاء (٢) [وفتشت](٣) عن تجربة ، وإنّ أمير المؤمنين نثر كنانته فعجم (٤) عيدانها فوجد [ني] أمّرها عودا ، [ولا] يغمز جانبي كغمز التين ، وأصلبها مكسرا فرماكم بي لأنكم طال ما أوضعتم في الفتنة ، فاضطجعتم في مرقد الضلال.
والله لأحزمنّكم حزم السّلمة ، ولأضربنكم ضرب غرائب الإبل ، فإنكم لكأهل قرية : (كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ ، فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ فَأَذاقَهَا اللهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ)(٥) وإني والله ما أقول إلّا وفيت ، ولا أهمّ إلّا أمضيت ولا أخلق إلّا فريت.
وإن أمير المؤمنين أمرني بإعطائكم ، وأن أوجّهكم لمحاربة عدوكم مع المهلّب بن أبي صفرة ، وإنّي أقسم بالله لا أجد رجلا تخلّف بعد أخذ عطائه بثلاثة أيّام إلّا ضربت عنقه ، يا غلام ، اقرأ عليهم كتاب أمير المؤمنين فقرأ :
«بسم الله الرحمن الرحيم.
من عبد الله عبد الملك أمير المؤمنين إلى من بالكوفة من المسلمين سلام عليكم ، فلم يقل أحد شيئا ، فقال الحجّاج اكفف يا غلام ، ثم أقبل على الناس فقال : سلّم عليكم أمير المؤمنين ، فلم تردّوا عليه شيئا ، هذا أدب ابن نهية (٦) ، أما والله لأؤدبنكم غير هذا الأدب ، اما تستقيمنّ. اقرأ يا غلام كتاب أمير المؤمنين فقرأ : فلمّا بلغ إلى قوله : سلام عليكم ، فلم يبق في المسجد أحد (٧) إلّا قال : وعلى أمير المؤمنين السّلام ، ثم نزل فوضع للناس أعطياتهم فلم يزالوا يأخذون حتى أتاه شيخ يرعش كبرا فقال : أيّها الأمير إني من الضعف على ما ترى ولي ابن هو أقوى على الأسفار مني ،
__________________
(١) الشنان : واحدها شن ، وهو الجلد اليابس ، فإذا قعقع به نفرت الإبل منه فضرب ذلك مثلا لنفسه.
(٢) قوله : ولقد فررت عن ذكاء ، يعني تمام السن ، والذكاء على ضربين : أحدهما تمام السن ، والآخر حدة القلب.
(٣) بياض بالأصل والمستدرك عن الكامل للمبرد ٢ / ٤٩٥.
(٤) يعني مضغها لينظر أيها أصلب.
(٥) سورة النحل ، الآية : ١١٢.
(٦) بهامش الكامل للمبرد ٢ / ٤٩٥ عن إحدى النسخ : «زعم أبو العباس أن ابن نهية رجل كان على الشرطة بالبصرة قبل الحجاج».
(٧) بالأصل : أحدا.
![تاريخ مدينة دمشق [ ج ١٢ ] تاريخ مدينة دمشق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1780_tarikh-madina-damishq-12%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
