لم يتحقّق الغصب ، أم لا ، بل لا يتوقّف على ذلك ، بل ما يصدق عليه أعمّ من أن يكون مالا أو شيئا فيه نحو اختصاص بالغير ، بحيث للغير أن يرفع اليد العادية ويمنعه عن التصرّف فيه لا بعنوان الأمر بالمعروف بل بعنوان أنّ حقّه تعلّق به فهو ذو حقّ فيه وله إضافة خاصّة إلى الشيء الّذي وردت عليه اليد العادية.
ولا يخفى ؛ أنّه ما اعتبر أحد في مفهوم الغصب المعنى الأوّل ، بل معناه اللغوي وكذلك كلماتهم ظاهرة في المعنى الأعمّ ، ولا ريب أنّ العرف أيضا مساعد معه ، فيصدق على من تصرّف في المسجد عمّا هو عليه ، ولو لم يكن فيه ماليّة لأحد أي مال للناس ، أنّه غصبه ، لما يرون فيه للناس حقّ اختصاص به.
وبعبارة اخرى : أنّ الأوقاف العامّة ليست كالمباحات الأصليّة الّتي ليس لأحد أن يمنع المتصرّف فيها عن التصرّف ، بل لهم لما يكون للناس جميعا فيها حقّ وسلطنة أن يمنعوا المانع عن استنقاذ حقّهم ، وكذلك ليس كمنفعة الحرّ الّتي ليست ملكا ولا متعلّقا لحقّ أحد ، بل إنّما سلطنته على نفسه حكم محض بلا اعتبار ماليّة أو حقّ فيه ، ولذلك لا يضمن منافع الحرّ ، وليس ذلك إلّا لاختلاف نحو العلقة الحاصلة بين الناس وبين المباحات ، وبين العلقة الثابتة بين الأوقاف العامّة والموقوف عليهم ؛ لأنّ العلقة الثابتة بينهم وبين المباحات إنّما تكون نحو اختصاص ، بحيث لو سبق إليها كلّ شخص تكون تلك المباح له ، وله أن يقلّبه كيف شاء ؛ لصيرورته ملكا له ، بخلاف الأوقاف العامّة فإنّ الناس فيها شرع سواء ، وإن كانت علقة الاختصاص هنا أيضا بتحقيق للسابق إلّا نحوها تكون بحيث له الانتفاع منها فقط ، بلا أن يكون له تقلّبها بأيّ نحو شاء بعنوان الملكية ، بل لو تصرّف هكذا لما كان يتصرّف في متعلّق حقّ الغير ، فللغير أن يمنعه ويرفع
