وأمّا الذرّية فلم يعرفوا حقّاً حتّى يؤمروا به فيعصوا بمخالفته ، فهم لم يعصوا شيئاً ، ولم يبطلوا حقّاً ، وحينئذ لم تتمّ حجّة على الذرّية ، فلم تتمّ الحجّة على جميع بني آدم ، وهذا معنى قوله تعالى : ( أَوْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ ).
فإن قلت : هنا بعض تقادير أُخر لا يفي به البيان السابق ، كما لو فرض إشهاد الذرّية على أنفسهم دون الآباء مثلاً ، أو إشهاد بعض الذرّية مثلاً ، كما أنّ تكامل النوع الإنساني في العلم والحضارة على هذه الوتيرة ، يرث كُلّ جيل ما تركه الجيل السابق ، ويزيد عليه بأشياء ، فيحصل للاحق ما لم يحصل للسابق.
قلت : على أحد التقديرين المذكورين تتمّ الحجّة على الذرّية ، أو على بعضهم الذين أشهدوا.
وأمّا الآباء الذين لم يشهدوا فليس عندهم إلاّ الغفلة المحضة عن أمر الربوبية ، فلا يستقلّون بشرك إذ لم يشهدوا ، ولا يسع لهم التقليد إذ لم يسبق عليهم فيه سابق كما في صورة العكس ، فيدخلون تحت المحتجّين بالحجّة الأُولى : ( إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ ).
وأمّا حديث تكامل الإنسان في العلم والحضارة تدريجاً ، فإنّما هو في العلوم النظرية الاكتسابية التي هي نتائج وفروع تحصل للإنسان شيئاً فشيئاً ، وأمّا شهود الإنسان نفسه ، وأنّه محتاج إلى ربّ يربّه ، فهو من مواد العلم التي إنّما تحصل قبل النتائج ، وهو من العلوم الفطرية التي تنطبع في النفس انطباعاً أوّلياً ، ثمّ يتفرّع عليها الفروع ، وما هذا شأنه لا يتأخّر عن غيره حصولاً ، وكيف لا ، ونوع الإنسان إنّما يتدرّج إلى معارفه وعلومه عن الحسّ الباطني بالحاجة كما قرّر في محلّه.
فالمتحصّل من الآيتين : أنّ الله سبحانه فصل بين بني آدم بأخذ بعضهم من بعض ، ثمّ أشهدهم جميعاً على أنفسهم ، وأخذ منهم الميثاق بربوبيته ، فهم
![موسوعة الأسئلة العقائديّة [ ج ٤ ] موسوعة الأسئلة العقائديّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1389_mosoa-alasalat-aqaedia-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)

