قاعدة التغيير الداخلي ، ( إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ ) [ الرعد ].
هذا المحتوى الداخلي في المنظور القرآني هو القاعدة في بناء الحضارات ، وعلى الرغم من أنّ تجارب الأنبياء تؤكّد أنّ الإطار الجغرافي ، والعوامل العرفية ، والعامل الاقتصادي تؤثّر على حياة الناس وطريقة إدارتهم لقضاياهم العامّة وبالتالي على تاريخهم ، فإنّ ذلك لا يكون على سبيل العلّة التامّة؛ بل هي مقتضيات ويظلّ عمل المجتمع وخياراته الأساسية في الوجود هي المحدّد المحوري لمصير المجتمع.
العامل الثالث : النظام التكويني
هل تؤثّر الطبيعة في التاريخ حقّاً؟ هل لعبت دوراً في تاريخ الحضارات فعلاً؟
حينما نتساءل هنا عن دور الطبيعة والنظم الكونية التي تهيمن على الوجود العام ، وحينما ننسب لها دوراً ما في هذا المجال ، يكون ذلك على نحو الإسناد المجازي العقلي ، فالطبيعة كمظهر من مظاهر القدرة الإلهية وإحدى التجلّيات للفعل الإلهي المهيمن على الوجود والإنسان والتاريخ.
فالطبيعة حضن التاريخ ، وبالتالي فالإنسان مضطرّ أن يكيّف حياته ومسيرته وفق خصائصها التكوينية ونواميسها الحاكمة.
لا يمكن للإنسان أن يتمرّد على القوانين التي تحكم بنيته المادّية ( جسمه مثلاً ) ، ولا أن يتمرّد على قوانين الطبيعة من حوله ، قانون الجاذبية ، خصائص المواد ، الثوابت الفيزيائية ... ، فهو ينظّم حياته ويؤسّس لها على قاعدة هذه النظم والقوانين.
وكلّ تأثير سلبي في هذا النظام الطبيعي سيدفع الإنسان ثمنه باهظاً ، وهذا ما نلاحظه بالنسبة للإنسان المعاصر حيث حدثت تحوّلات كونية وبيئية كثقب طبقة الأوزون وتلوّث المحيطات ، وارتفاع درجات الحرارة ... نتيجة الفساد والاستغلال المدمّر وغير المنظّم لثروات الأرض ، ( ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) [ الروم ].
