منه الجدّ في ذلك ، أبدوا لبني عبد المطلب الجفاء ، فانطلق بهم أبو طالب وقاموا بين أستار الكعبة يدعون الله من ظلم قومهم ، فدعا ربّه قائلاً : « اللّهمّ إن أبى قومنا إلّا النصر علينا فعجّل نصرنا وحل بينهم وبين قتل ابن أخي » ، ثمّ أقبل إلى جمع قريش وهم ينظرون إليه وإلى أصحابه فقال : « ... ندعو بربّ هذا البيت على القاطع المنتهك للمحارم ، والله لتنتهين عن الذين تريدون ، أو لينزلـن الله بكم في قطيعتنـا بعض الذي تكرهـون ، فأجابوه أنّكم يا بني عبد المطلب لا صلح بيننا وبينكم ، ولا رحم إلّا على قتل هذا الصبي ـ محمّد صلىاللهعليهوآلهوسلم ـ ... » (١).
بعد هذه المحاورة الكلامية ، تيقّن أبو طالب أنّ قومه مصرّون على قتل النبيّ محمّد صلىاللهعليهوآلهوسلم ، ويترتّب على ذلك الحرب والقطيعة وما يَجرّ مجرى الحرب من ويلات على الطرفين ، لذا فضّل أبو طالب ومعه رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم تحاشي الصدام المسلّح مع قريش ، وأرادوا أن يتحصّنوا في مكان آمن يستطيعوا من خلاله حماية الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم من خطر المشركين ، فاختار الشعب ليكون ملجأ له ولأتباعه ، فأشار على عمّه أبي طالب في دخول الشعب فوافق على ذلك (٢). ويؤيّد هذا قول أمير المؤمنين عليهالسلام وهو يحاجج أحد اليهود في دخول نبيّ الله يوسف عليهالسلام السجن قائلاً : « لئن كان يوسف عليهالسلام حبس في السجن فلقد حبس رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم نفسه في الشعب ، ثلاث سنين ... » (٣). يبدو من ذلك أنّ الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم هو الذي حبس نفسه ، وأراد الحماية فالتجأ إلى هناك.
وفي رواية أخرى أنّ أبا طالب هو الذي اختار الشعب وهذا ما أشير إليه :
_______________________
(١) ابن إسحاق : السير والمغازي / ١٥٨.
(٢) انظر المرتضى : الفصول المختارة / ٥٨ ، الأصفهاني : دلائل / ٢٠٠.
(٣) الطبرسي : الاحتجاج ١ / ٢١٥.
