أجواء مناسبة لظهور الغُلوّ فيها ، فإن بيئة الكوفة والبصرة كانتا ملائمة جداً لنشوء كل فكرة لها مساس بالحياة السياسية آنذاك . وقد عرفنا بأن الغلو هو ظاهرة من ظواهر الفساد العقائدي والانحطاط الفكري الذي ينشأ في الوسط السياسي المضظرب وفي الأجواء التي تسودها النزاعات الدينية ، كما أنه نشأ في المراكز الحسّاسة من نقاط الدولة الإسلامية وبالذات في الكوفة والبصرة وبغداد أما الأماكن البعيدة عن مركز الخلافة والدولة فإن التأثير فيها أقل ، لبعدها عن الاضطرابات السياسيّة والنزاعات . . .
وهذا يدلّل أن سبب نشوء الغلو في العقائد والأفكار الدينية إنّما هو سبب سياسي بالدرجة الأولى .
ومن الأسباب الأخرى لنشوء الغُلوّ :
ثانياً : الإنحراف في العقائد الدينيّة المتبنّاة في بدء الأمر .
ثالثاً : الأطماع الشخصية والنزوات الفردية .
رابعاً : الإنحراف الجنسي ، وهو من الأسباب المهمّة لانتشار الغُلوّ وذلك أن الكثير من المغالين كانوا مصابين إما بداء قوم لوط أو أنهم يبيحون نكاح المحارم أو أنهم يشتهون الغلمان وكل ذلك متولد من الشذوذ الجنسي والعقد النفسية .
قال أبو عمر الكشي : وقالت فرقة بنبوة محمد بن نصير النميري ، وذلك أنه ادّعى أنه نبي رسول ، وأن علي بن محمد العسكري عليهالسلام أرسله ، وكان يقول بالتناسخ والغلو في أبي الحسن عليهالسلام ويقول فيه بالربوبية ، ويقول بإباحة المحارم ، ويحلل نكاح الرجال بغضهم بعضاً في أدبارهم ، ويقول إنه من الفاعل والمفعول به أحد الشهوات والطيبات ، وأن الله لم يحرم شيئاً من ذلك .
وكان محمد بن موسى بن الحسن بن فرات يقوي أسبابه ويعضّده ، وذكر أنه رأى بعض الناس محمد بن نصير عيناً ، وغلام له على ظهره ، وأنه عاتبه على ذلك فقال : إن هذا من اللذات وهو من التواضع لله وترك التجبر ، وافتراق الناس فيه بعده فرقاً (١) .
____________________
(١) رجال الكشي ٦ / ٨٠٤ .
