أما كعب الأحبار فكان دوره خطيراً لأن كبار الصحابة كعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان ومعاوية بن أبي سفيان كانوا يسألونه عن مبدأ الخلق وقضايا المعاد وتفسير القرآن ، وما إلى ذلك من العقائد والمفاهيم الإسلامية ، وهكذا أخذ كعب الأحبار مجموعة من الصحابة مثل عبد الله بن عمر بن الخطاب ، وأبي هريرة ، وأنس بن مالك ، وعبد الله بن الزبير . . .
وأكثر من ذلك ، فإن معاوية استعمل النصارى وقرب الكثير منهم ، فهذا الشاعر النصراني الأخطل ، استعمله معاوية لهجاء الأنصار وأهل البيت عليهمالسلام ، قال الجاحظ في البيان والتبيين في سبب تقرب الأخطل النصراني إلى معاوية :
إن معاوية أراد أن يهجو الأنصار لأنّ أكثرهم كانوا أصحاب علي بن أبي طالب ولا يرون رأي معاوية في الخلافة ، فطلب ابنه يزيد من كعب بن جعيل أن يهجوهم فأبى ذلك وقال : ولكني أدلل على غلام منا نصراني ، كان لسانه لسان ثور لا يبالي أن يهجوهم فدلّهم على الأخطل (١) .
كيفما كان ، فإن الزندقة صادفت لها رواجاً عند بعض النفوس الطائشة وأهل الشذوذ وقد انتشرت في الكوفة والبصرة وشجّع عليها بعض حكّام الدولة الأموية كالوليد الثاني الأموي ١٢٥ ـ ١٢٦ هـ ومروان بن محمد ، تلميذ الجعد بن درهم لذا سمّي مروان بن محمد الجعدي ت ١٣٢ .
وروّج للزندقة بعض الشعراء والأدباء كعبد الله بن المقفع ١٠٦ ـ ١٤٢ هـ ومطيع بن أياس الذي مات في خلافة الرشيد ، وبشّار بن برد ، ويحيى بن زياد الحارثي ، وحمّاد عجرد وحمّاد الراوية وحمّاد بن الزبرقان النحوي وكان أغلب هؤلاء الشعراء والأدباء في الكوفة .
ذكر ابن قتيبة في طبقات الشعراء نصّاً قال فيه :
كان في الكوفة ثلاثة يقال لهم الحمّادون : حماد عجرد وحماد الراوية ، وحمّاد بن الزبرقان النحوي وكانوا يتعاشرون وكانوا كلهم يرمون بالزندقة (٢) .
أما من المتكلمين فانتشرت الزندقة بترويج عبد الكريم بن أبي
____________________
(١) البيان والتبيين ١ / ٨٦ .
(٢) طبقات الشعراء ٦٦٣ .
