أعقب بذكر الأفعال الإلهية التي هي غايات من الموت والإحياء المعروف اللذين لا ينكر الكفار أمرهما ـ انتهى. (وَكُنْتُمْ) أي والحال أنكم تعلمون أنكم كنتم (أَمْواتاً) بل مواتا ترابا ثم نطفا. قال الحرالي : من الموت وهو حال خفاء وغيب يضاف إلى ظاهر عالم يتأخر عنه أو يتقدمه تفقد فيه خواص ذلك الظهور الظاهرة ـ انتهى. وإطلاق الموت على ما لم تحله حياة مجاز ، وسرّ التعبير به التنبيه على أنه أكثر ما تكون الإعادة التي ينكرونها مثل الابتداء ، فلا وجه أصلا لإنكارها مع الاعتراف بالابتداء. فكيف والإعادة دونه (فَأَحْياكُمْ) فصرتم ذوي حس وبطش وعقل. قال الحرالي : وجاء بالفاء المشعرة بالتعقيب لما لم يكن لهم معرفة بمهل الموت الذي قبل حياة الولادة ، والحياء تكامل في ذات ما أدناه حياة النبات بالنمو والاهتزاز مع انغراسه إلى حياة ما يدب بحركته وحسه إلى غاية حياة الإنسان في تصرفه وتصريفه إلى ما وراء ذلك من التكامل ـ انتهى. (ثُمَّ يُمِيتُكُمْ) بعد مد الأعمار والتقليب في الأطوار فإذا أنتم أجساد كالفخار كأنه لم تحل بها حياة ساعة قط ، وبدلتم بعد الأنس بكم الوحشة ، وإثر محبة القرب منكم النفرة (١) ؛ وتمثيل الموت بما نعهده أن طلب الملك كما أنه يحصل به من الروع (٢) ما يكاد يتلف وربما أتلف كان طلب ملك الملوك موجبا للموت. قال الحرالي : وهذه الأحوال الثلاثة أي الموت المعبر به عن العدم ثم الحياة ثم الموت معروفة لهم لا يمكنهم إنكارها ، وإذا صح منهم الإقرار بحياة موت لزمهم الإقرار بحياة موت آخر لوجوب الحكم بصحة وجود ما قد سبق مثله ، كما قال تعالى : (أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ) [يس : ٨١] ولدن ذلك من العلم أن الموت والحياة مزدوجان متضايفان ، وإذا استوفى الموت الأول إحياؤه فلا بد من استيفاء الموت الثاني إحياؤه أيضا ، لأنه لو لا استقبال الحياة لما كان موتا بل بطلا وفقدا واضمحلالا ، لأن حقيقة الموت حال غيب بين يديه ظهور ، والحياة نهاية ثابتة ، والموت مبدأ غيب زائل ، فجنس الموت كله متقض ونهاية ، والحياة ثابتة دائمة ؛ ولذلك ورد ما صح عنه عليه الصلاة والسلام في أن الموت يذبح (٣) ، إعلام بانقضاء جنسه وثبات الحياة ، ولذلك قدم في
__________________
(١) نفار الشيء من الشيء : هو تجافيه ، وتباعده.
(٢) الرّوع : بالفتح الفزع والرّوع بالضم القلب والعقل يقال وقع ذلك في روعي أي في خلدي وبالي.
وفي الحديث «إن الروح الأمين نفث في روعي» ا ه مختار.
(٣) صحيح. أخرجه البخاري ٤٧٣٠ ومسلم ٢٨٤٩ وأحمد ٣ / ٩ وأبو يعلى ١١٧٥ كلّهم من حديث أبي سعيد.
وأخرجه البخاري ٦٥٤٥ وأحمد ٢ / ٣٤٤ وابن حبان ٧٤٤٩ كلّهم من حديث أبي هريرة : إذا دخل ـ أهل الجنة الجنة ، وأهل النار النار. نادى مناد : يا أهل الجنة خلود بلا موت ، ويا أهل النار خلود بلا موت. ورواية : يؤتى بالموت كهيئة كبش أملح.
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
