الدار لا تكمل إلا بأنس الجار لا سيما المستمتع به قال : (وَلَهُمْ فِيها) أي مع ذلك (أَزْواجٌ) ولما كن على خلق واحد لا نقص فيه أشار إليه بتوحيد الصفة ، وأكد ذلك بالتعبير بالتفعيل إلماما بأنه عمل فيه عمل ما يبالغ فيه بحيث لا مطمع في الزيادة فقال : (مُطَهَّرَةٌ)(١). قال الحرالي : والزوج ما لا يكمل المقصود من الشيء إلا معه على نحو من الاشتراك والتعاون ، والتطهير تكرار إذهاب مجتنب بعد مجتنب عن الشيء ؛ ولما ذكر تعالى الرزق المستثمر من أعمال الذين آمنوا وصل به ذكر الأزواج المستثمرة من حال نفوسهم من حسن أخلاقها وجمال صورتها الباطنة في الدنيا ، وكانت المرأة زوج الرجل لما كان لا يستقل أمره في النسل والسكن إلا بها ـ انتهى.
ولما كان خوف الزوال أو الانتقال إلى أدنى منغصا فلا تروق اللذة إلا مع الاستقرار وكان هذا الوصف عاما في جميع الجنان العلى وغيرها قال مقدما للجار إشارة إلى أنهم لا يكونون في جنة إلا وهذه صفتها وأن نعيمهم لا آخر له (وَهُمْ فِيها) ولما أفاد تقديم الظرف تخصيص الكون بها وعدم الكون في غيرها وكان ذلك معنى الخلود وكان قد يطلق على الإقامة بلا نهاية على طول الإقامة وإن كان له آخر صرح به بيانا بأن المراد ما لا آخر له وإلا لم يفد شيئا جديدا فقال : (خالِدُونَ) والخلود طول الإقامة بالقرار ، وسياق الامتنان أغنى عن تقييده بالتأبيد والدوام.
(إِنَّ اللهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ما ذا أَرادَ اللهُ بِهذا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفاسِقِينَ (٢٦) الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٢٧) كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٨) هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩) وَإِذْ قالَ
__________________
(١) قال النسفي في تفسيره ١ / ٣٥ : مطهر من مساوىء الأخلاق لا طمحات ولا مرحات ، أو مما يختص بالنساء من الحيض ، والاستحاضة ، وما لا يختص بهنّ من البول والغائط ، وسائر الأقذار ، والأدناس ، ولم تجمع الصفة كالموصوف لأنهما لغتان فصيحتان ولم يقل : طاهرة. لأن المطهرة أبلغ لأنها تكون للتكثير ، وفيها إشعار بأن مطهرا طهرهن ، وما ذلك إلّا الله عزوجل.
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
