ما أحاط به علمه (قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللهِ) [الملك : ٢٦] وعن المنقطع كونه بحسب إحاطته بالكائن وسبحانه من النسيان (لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى) [طه : ٥٢] وعن الآتي بما هو الحق الواقع (فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَما كُنَّا غائِبِينَ* وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُ) [الأعراف : ٧ ، ٨] والمبين الحق الذي لا يوهن بيانه إيهام نسبة النقص إلى بيانه ، والإنسان يتهم نفسه في البيان ويخاف أن ينسب إلى العي فيقصد استقراء البيان ويضعف مفهوم بيانه ضعفا من منته ومفهوم بيان القرآن أضعاف أضعاف أنبائه وقل ما ينقص عن نظيره ـ انتهى.
وقال الإمام محمد بن عبد الرحمن (١) المراكشي الأكمه في شرح نظمه لمصباح ابن مالك في المعاني والبيان ما يصلح أن يكون متنا وجملة وما تقدم شرحا له وتفصيلا قال : الجهة المعجزة في القرآن تعرف بالتفكر في علم البيان وهو كما اختاره جماعة في تعريفه ما يحترز به عن الخطأ في تأدية المعنى وعن تعقيده ، وتعرف به وجوه تحسين الكلام بعد رعاية تطبيقه لمقتضى الحال ، لأن جهة إعجازه ليست مفردات ألفاظه وإلا لكانت قبل نزوله معجزة ، ولا مجرد تأليفها وإلا لكان كل تأليف معجزا ، ولا إعرابها وإلا لكان كل كلام معرب معجزا ، ولا مجرد أسلوبه وإلا لكان الابتداء بأسلوب الشعر معجزا ـ والأسلوب الطريق ـ ولكان هذيان مسيلمة معجزا ، ولأن الإعجاز يوجد دونه أي الأسلوب في نحو (فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا) [يوسف : ٨٠] (فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ) [الحجر : ٩٤] ولا بالصرف عن معارضته ، لأن تعجبهم كان من فصاحته ، ولأن مسيلمة وابن المقفّع والمعري وغيرهم قد تعاطوها فلم يأتوا إلا بما تمجه الأسماع وتنفر منه الطباع ويضحك منه في أحوال تركيبه ويهان بتلك الأحوال ، أعجز البلغاء وأخرس الفصحاء ؛ فعلى إعجازه دليل إجمالي وهو أن العرب عجزت عنه وهو بلسانها فغيرها أحرى ، ودليل تفصيلي مقدمته التفكر في خواص تركيبه ، ونتيجته العلم بأنه تنزيل من المحيط بكل شيء علما ـ انتهى. وسيأتي إن شاء الله تعالى في أواخر العنكبوت ما ينفع ها هنا وأشار سبحانه في تهديدهم بقوله : (فَاتَّقُوا النَّارَ) كذا قال الحرالي ، وهي جوهر لطيف يفرط لشدة لطافته في تفريط المتجمد بالحر المفرط وفي تجميد المتمتع بالبرد المفرط. وقال غيره : جسم لطيف مضيء حار من شأنه الإحراق (الَّتِي وَقُودُهَا) أي الشيء الذي يتوقد ويتأجج به (النَّاسُ وَالْحِجارَةُ) التي هي أعم من أصنامهم التي قرنوا
__________________
(١) هو الإمام محمد بن عبد الرحمن المغربي أبو عبد الله العزير المالكي المعروف بابن أبي زيد المراكشي المتوفي سنة : ٧٣٩ من تصانيفه ترجيز المصباح في المعاني والبيان نظما ، وضوء الصباح على ترجيز المصباح وغيرها.
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
