شيئا فمرنت عليه حتى صار لها خلقا يصعب عليها انفكاكها عنه ويعسر خلاصها منه عبر عن هذا الإخبار بالعجز مهددا في سياق ملجىء إلى الإنصاف بالاعتراف أو تفطر القلوب بالعجز عن المطلوب بقوله تعالى : (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا) فأتى بأداة الشك تنفيسا لهم وتهكما في نفس الأمر بهم واستجهالا لهم ، ثم لم يتمم ذلك التنفيس حتى ضربهم ضربة فضمت ظهورهم وقطعت قلوبهم فقال لتكون الآية كافلة لصحة نسبة النظم والمعنى آيد وآكد لادعائهم المقدرة بقوله تعالى : (وَلَنْ تَفْعَلُوا) فألزمهم الخزي بما حكم عليهم به من العجز ، فلم يكن لهم فعل إلا المبادرة إلى تصديقه بالكف ، فكانوا كمن ألقم الحجر فلم يسعه إلا السكوت ، واستمر ذلك التصديق لهم ولأمثالهم على وجه الدهر في كل عصر ينادي مناديه فتخضع له الرقاب ويصدّح مؤذنه فتنكسر الرؤوس ، والتعبير بالفعل الأعم من الإتيان أبلغ لأن نفيه نفي الأخص وزيادة. والفعل قال الحرالي ما ظهر عن داعية من الموقع كان عن علم أو غير علم لتدين كان أو لغيره كما تقدم مرارا ـ انتهى.
فقد ثبت أن هذا الكتاب الذي بين أنه الهادي إلى الصراط المستقيم أعظم دليل على إفراده بالعبادة واختصاصه بالمراقبة التي أرشدنا إليها بقوله : (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) [الفاتحة : ٤] الآية بما ثبت فيه من أدلة التفرد بالإلهية بما ثبت من عجزهم عن معارضته وعجز جميع العرب الذين كانوا أفصح الخلق وكذا جميع من ولد في بلادهم وانطبع بلسانهم من اليهود والنصارى الذين لهم من الفصاحة والعلم ما هو مشهور فقد كان لليهود من بني إسرائيل الذين كانوا في المدينة الشريفة وخيبر واليمن وغيرها ، ومن دخل في دينهم من العرب من الفصاحة والبلاغة والعلم ما لا يحتاج من طالع السيرة فيه إلى توقف ، وكان النصارى من بني إسرائيل ومن دان دينهم من العرب وهم كثير كثرة قوم المنذربن ماء السماء ، وما قارب الشيء من عبد القيس وتنوخ وعامله وغسان كلهم فصحاء بلغاء ، وزاد كثير منهم على ذلك العلم وكان منهم الشعراء المبرزون ؛ ومع ذلك فلم يقدر أحد منهم على طعن في هذا القرآن ولا عارضه منهم إنسان إلا ما قاله مسيلمة والأسود العنسي (١) فيما افتضحوا به وأكذبهم الله تعالى فيه وسارت بفضائحهم الركبان فكانوا بها مثلا في سائر البلدان.
قال عمرو بن بحر الجاحظ «في كتاب الحجة في تثبيت خبر الواحد» إن الله تبارك وتعالى بعث محمدا صلىاللهعليهوسلم أكثر ما كانت العرب شاعرا وخطيبا وأحكم ما كانت لغة وأشد ما
__________________
(١) جاء في شذرات الذهب ١ / ١٣ ما ملخصه : وفي السنة العاشرة ظهر الأسود العنسي ، وكان له شيطان يخبره بالمغيبات ، وكان بين ظهوره وقتله أربعة أشهر.
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
