ومغفرته له بحيث يجعله كأن لم يكن فلا يذكره أصلا ولا يعاقب عليه ورحمته في إيصال المذنب المعفو عنه المغفور له إلى المنازل العالية أنهاهم إلى رتبة الخلافة في القيام بأمره والجهاد لأعدائه وإن جل أمرهم وأعنى حصرهم كان منبها على أن بداية هذه الصورة هداية وخاتمتها خلافة ، فاستوفت تبيين أمر النبوة إلى حد ظهور الخلافة فكانت سناما للقرآن ، وكان جماع ما في القرآن منضما إلى معانيها إما لما صرحت به أو لما ألاحته وأفهمه إفصاح من إفصاحها كما تنضم هي مع سائر القرآن إلى سورة الفاتحة فتكون أما للجميع ـ أفاد ذلك الأستاذ أبو الحسن الحرالي. وقد بان بذكر المنزل والإيمان به والنصرة على الكفار بعد تفصيل أمر النفقة والمال الذي ينفق منه رد مقطعها على مطلعها وآخرها على أولها ، ومن الجوامع العظيمة في أمرها وشمول معناها المبين لعلو قدرها ما قال الحرالي إنه لما كان منزل هذا القرآن المختص بخاتم النبيين صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين منزلا حروفا محيطة المعاني مخاطبا بها النبي والأئمة وتفصيل آيات مخاطبا به عامة الأمة انتظمت هذه السورة صنفي الخطابين فافتتحت بالم حروفا منبئة عن إحاطة بما تضمنته معانيها من إحاطة القائم من معنى الألف وإحاطة المقام من معنى الميم وإحاطة الوصلة من معنى اللام ؛ ولما كانت الإحاطة في ثلاث رتب إحاطة إلهية قيومية وإحاطة كتابية وإحاطة تفصيلية كانت الإحاطة الخاصة بهذه الأحرف التي افتتحت بها هذه السورة إحاطة كتابية متوسطة ، فوقع الافتتاح فيما وقع عليه أمر القرآن في تلاوته في الأرض بالرتبة المتوسطة من حيث هي أقرب للطرفين وأيسر للاطلاع على الأعلى والقيام بالأدنى ، فكان ما كان في القرآن من (الم تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ) [لقمان : ٢٦] ونحوه تفصيل إحاطة من إحاطة الكتاب التي أنزلت فيها سورة البقرة ، فكانت مشتملة على إحاطات الكتب الأربعة : كتاب التقدير الذي كتبه الله سبحانه وتعالى قبل أن يخلق الخلائق بما شاء الله من أمد وعدد ، ورد «أن الله كتب الكتاب وقضى القضية وعرشه على الماء» (١) ، و «أن الله سبحانه وتعالى قدر مقادير
__________________
(١) يشير المصنف لحديث عمران بن حصين قال : «دخلت على النبي صلىاللهعليهوسلم وعقلت ناقتي بالباب فأتاه ناس من بني تميم فقال : اقبلوا البشرى يا بني تميم قالوا : قد بشرتنا فأعطنا (مرتين). ثم دخل عليه ناس من أهل اليمن فقال : اقبلوا البشرى يا أهل اليمن لم يقبلها بنو تميم قالوا : قد قبلنا يا رسول الله قالوا : جئنا نسألك عن هذا الأمر. قال : كان الله ولم يكن شيء غيره ، وكان عرشه على الماء ، وكتب في الذكر كل شيء ، وخلق السموات والأرض. فنادى مناد : ذهبت ناقتك يا ابن الحصين ، فانطلقت فإذا هي يقطع دونها السراب. فو الله لوددت أني كنت تركتها». أخرجه البخاري ٣١٩١ ، ٧٤١٨ ، ٤٣٦٥ ، ٤٣٨٦ والترمذي ٣٩٥١ مختصرا والطبري ١٧٩٦ والطبراني ١٨ / (٤٩٩) و (٥٠٠) والبيهقي في الأسماء والصفات ص ٢٣١ وفي السنن ٩ / ٢ ، ٣ وابن حبان ٦١٤٢ وأحمد ٤ / ٤٣١.
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
