ولما دعوا بما تضمن الإيمان بما نزل إليهم مما حمل من كان قبلهم من الثقل أتبعوه ما يدل على اعتقادهم أن ذلك عدل منه في القضاء ، وأنه له أن يفعل فوق ذلك فيكلف بما ليس في الوسع ، لأنه المالك التام الملك والملك المنفرد بالملك ، وسألوا التخفيف برفع ذلك فقالوا : (رَبَّنا وَلا) وعبر بالتفعيل لما فيه بما يفهم من العلاج من مناسبة التكليف بما لا يطاق فقال : (تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ) أي قدرة (لَنا بِهِ.)
ولما كان الإنسان قد يتعمد الذنب لشهوة تدعوه إليه وغرض يحمله عليه أتبعوا ذلك دعاء عاما فقالوا : (وَاعْفُ عَنَّا) أي ارفع عنا عقاب الذنوب كلها (وَاغْفِرْ لَنا) أي ولا تذكرها لنا أصلا ، فالأول العفو عن عقاب الجسم ، والثاني العفو عن عذاب الروح. وقال الحرالي : ولما كان قد يلحق من يعفى عنه ويغفر له قصور في الرتبة عن منال الحظ من الرحمة ألحق تعالى المعفو عنه المغفور له بالمرحوم ابتداء بقوله : (وَارْحَمْنا) أي حتى يستوي المذنب التائب والذي لم يذنب قط في منال الرحمة.
ولما ضاعف لهم تعالى عفوه ومغفرته ورحمته أنهاهم بذلك إلى محل الخلافة العاصمة (لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ) [هود : ٤٣] فلما صاروا خلفاء تحقق منهم الجهاد لأعداء الله والقيام بأمر الله ومنابذة من تولى غير الله ، فتحقق أنه لا بد أن يشاققهم أعداء وينابذوهم ، فعلمهم الذي رحمهم سبحانه إسناد أمرهم بالولاية إليه قائلا عنهم : (أَنْتَ مَوْلانا) والمولى هو الولي اللازم الولاية القائم بها الدائم عليها لمن تولاه بإسناد أمره إليه فيما ليس هو بمستطيع لها ـ انتهى بالمعنى. وكان حقيقته الفاعل لثمرة الولاية وهي القرب والإقبال ، وذلك أنهم لما سألوا العفو عن عذاب الجسم والروح سألوا ثوابهما ، فثواب الجسم الجنة وثواب الروح لذة الشهود وذلك ثمرة الولاية وهي الإقبال على الولي بالكلية ، ثم جعل ختام توجه المؤمنين إلى ربهم الدعاء بثمرة الولاية فقال : (فَانْصُرْنا) باللسان والسنان ، وأشار إلى قوة المخالفين حثا على تصحيح الالتجاء والصدق في الرغبة بقوله : (عَلَى الْقَوْمِ) وأشار إلى أن الأدلة عليه سبحانه في غاية الظهور لكل عاقل بقوله : (الْكافِرِينَ) أي الساترين للأدلة الدالة لهم على ربهم المذكورين أول السورة ، فتضمن ذلك وجوب قتالهم وأنهم أعدى الأعداء ، وأن قوله تعالى (لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ) [البقرة : ٢٥٦] ليس ناهيا عن ذلك وإنما هو إشارة إلى أن الدّين صار في الوضوح إلى حد لا يتصور فيه إكراه بل ينبغي لكل عاقل أن يدخل فيه بغاية الرغبة فضلا عن الإحواج إلى إرهاب ، فمن نصح نفسه دخل فيه بما دله عليه عقله ، ومن أبي أدخل فيه قهرا بنصيحة الله التي هي الضرب بالحسام ونافذ السهام. ولما كان الختم بذلك مشيرا إلى أنه تعالى لما ضاعف لهم عفوه عن الذنب فلا يعاقب عليه
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
