ولما كان البيع أعم من أن يقصد به المتجر أو غير ذلك من وجوه الانتفاع قال : (وَأَشْهِدُوا) سواء كانت كتابة أو لا (إِذا تَبايَعْتُمْ) أي على وجه المتجر عاجلا أو آجلا أو لا للمتجر ، لأن الإشهاد أبعد من الخلاف وأقرب إلى التصادق بما فيه من الإنصاف ، والأمر للإرشاد فلا يجب.
ولما ألزم في صدر الخطاب الكاتب أن يكتب والشهيد أن يجيب ولا يأبى وأكد ذلك بصيغة تشمل المستكتب والمستشهد فقال ناهيا : (وَلا يُضَارَّ) يصح أن يكون للفاعل والمفعول وهو صحيح المعنى على كل منهما (كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ) أي لا يحصل ضرر منهم ولا عليهم. قال الحرالي : ففي إلاحته تعريض بالإحسان منه للشهيد والكاتب ليجيبه لمراده ويعينه على الائتمار لأمر ربه بما يدفع عنه من ضرر عطلته واستعماله في أمر من أمور دنياه ، ففي تعريضه إجازة لما يأخذه الكاتب ومن يدعي لإقامة معونة في نحوه ممن يعرض له فيما يضره التخلي عنه ـ انتهى. (وَإِنْ تَفْعَلُوا) أي ما نهيتم عنه من الضرار وغيره (فَإِنَّهُ فُسُوقٌ) أي خروج (بِكُمْ) عن الشرع الذي نهجه الله لكم. قال الحرالي : وفي صيغة فعول تأكيد فيه وتشديد في النذارة ـ انتهى.
وختم آيات هذه المعاملات بصفة العلم بعد الأمر بالتقوى في غاية المناسبة لما يفعله المتعاملون من الحيل التي يجتلب كل منهم بها الحظ لنفسه ، والترغيب في امتثال ما أمرهم به في هذه الجمل بأنه من علمه وتعليمه فقال تعالى ـ عاطفا على ما تقدم من أمر ونهي ، أو على ما تقديره : فافعلوا ما أمرتم به وانتهوا عما نهيتم عنه ـ : (وَاتَّقُوا اللهَ) أي خافوا الذي له العظمة كلها فيما أمركم به ونهاكم من هذا وغيره. ولما كان التقدير استئنافا لبيان فخامة هذه التنبيهات يرشدكم الله إلى مثل هذه المراشد لإصلاح ذات بينكم ، عطف عليه قوله : (وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ) أي يدريكم الذي له الكمال كله بذلك على العلم. وقال الحرالي : وفي قوله : (يعلم) بصيغة الدوام إيذان بما يستمر به التعليم من دون هذا المنال انتهى.
وأظهر الاسم الشريف هنا وفي الذي بعده تعظيما للمقام وتعميما للتعليم فقال : (وَاللهُ) أي الذي له الإحاطة الكاملة (بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) وهذا الختم جامع لبشرى التعليم ونذارة التهديد.
(وَإِنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كاتِباً فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨٣) لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
