المفصلة من سورة الحمد المشيرة إلى تفاصيل عظيم أمر الله في حقه وفي خلقه وفيما بينه وبين خلقه ـ انتهى.
ولما نهى سبحانه وتعالى عن الربا وكان أحد مدايناتهم وكان غيره من الدين مأذونا فيه وهو من أنواع الإنفاق مع دخوله في المطالبة برؤوس الأموال عقب ذلك بآية الدين. وأيضا فإنه سبحانه وتعالى لما ذكر في المال أمرين ينقصانه ظاهرا ويزكيانه باطنا : الصدقة وترك الربا ، وأذن في رؤوس الأموال وأمر بالإنظار في الإعسار وختم بالتهديد فكان ذلك ربما أطمع المدين في شيء من الدين ولو بدعوى الإعسار اقتضى حال الإنسان لما له من النقصان الإرشاد إلى حفظ المال الحلال وصونه عن الفساد والتنبيه على كيفية التوثق فقال : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) كالذي تقدمه (إِذا تَدايَنْتُمْ) من التداين تفاعل بين اثنين من الدين ، والدين في الأمر الظاهر معاملة على تأخير كما أن الدين بالكسر فيما بين العبد وبين الله سبحانه وتعالى معاملة على تأخير ـ قاله الحرالي. أي أوقعتم بينكم ذلك. والدين مال مرسل في الذمة سواء كان مؤجلا أو لا ، وهو خلاف الحاضر والعين ، وقال : (بِدَيْنٍ) مع دلالة الفعل عليه ليخرج بيع الدين بالدين ، لأنه مداينة بدينين. قال الحرالي : فكان في إعلامه أي بالإتيان بصيغة إذا أنهم لا بد أن يتداينوا لأنها حين منتظر في أغلب معناها ـ انتهى. وأرشد إلى ضبطه بالوقت إشارة إلى أنه يجوز كونه حالا وإلى أن الأجل وهو الوقت المحدود وأصله التأخير إن كان مجهولا كان باطلا بقوله : (إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى) قال الحرالي : من التسمية وهي إبداء الشيء باسمه للسمع في معنى المصور ـ وهو إبداء الشيء بصورته في العين.
ولما كان الله سبحانه وتعالى وهو العليم الخبير قد أجرى سنته في دينه بالكتابة فأمر ملائكته وهم الأمناء العدول بإثبات أعمال الخلق لحكم ومصالح لا تخفى وأنزل كتابه الشريف شهادة لهم وعليهم بما يوفونه في يوم الدين من ثواب وعقاب قطعا لحججهم أمرهم أن يكون عملهم في الدين كما كان فعله في الدين فأرشدهم إلى إثبات ما يكون دينهم من المعاملات لئلا يجر ذلك إلى المخاصمات فقال سبحانه وتعالى أمرا للإرشاد لا للإيجاب (فَاكْتُبُوهُ) وفي ذكر الأجل إشارة إلى البعث الذي وقع الوعد بالوفاء فيه (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ) [المؤمنون : ١١٥] (ثُمَّ قَضى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ) [الأنعام : ٢] ولما أمر بالكتابة وكان المراد تحصيلها في الجملة لا من أحد بعينه لأن أغلب الناس لا يحسنها أتبعها الإرشاد إلى تخير الكاتب بقوله : (وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ) أي الدين المذكور (كاتِبٌ) وإن كان صبيا أو عبدا كتابة مصحوبة (بِالْعَدْلِ) استنانا به سبحانه وتعالى في ملائكته (وَإِنَّ عَلَيْكُمْ
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
