ذلك ، فأما مشاهدة المصروع يخبر بالمغيبات وهو مصروع غائب الحس ، وربما كان يلقى في النار وهو لا يحترق ، وربما ارتفع في الهواء من غير رافع ، فكثير جدا لا يحصى مشاهدوه ـ إلى غير ذلك من الأمور الموجبة للقطع أن ذلك من الجن أو الشياطين ؛ وها أنا أذكر لك من أحاديث النبي صلىاللهعليهوسلم ثم من كتب الله القديمة ما فيه مقنع لمن تدبره ـ والله سبحانه وتعالى الموفق : روى الدارمي في أوائل مسنده بسند حسن عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : «أن امرأة جاءت بابن لها إلى النبي صلىاللهعليهوسلم فقالت : يا رسول الله! إن ابني به جنون وإنه يأخذه عند أغدائنا وعشائنا فيخبث علينا ، فمسح رسول الله صلىاللهعليهوسلم صدره ودعا فثعّ ثعة وخرج من صدره مثل الجر والأسود» (١) فثعّ ثعة بمثلثة ومهملة أي قاء وللدارمي أيضا وعبد بن حميد بسند صحيح حسن أيضا عن جابر رضي الله تعالى عنه قال : «خرجت مع النبي صلىاللهعليهوسلم في سفر فركبنا مع رسول الله صلىاللهعليهوسلم ، ورسول الله صلىاللهعليهوسلم بيننا كأنما على رؤوسنا الطير تظلنا ، فعرضت له امرأة معها صبي لها فقالت : يا رسول الله! إن ابني هذا يأخذه الشيطان كل يوم ثلاث مرار ، فتناول الصبي فجعله بينه وبين مقدم الرحل ثم قال : اخسأ عدو الله أنا رسول الله ثلاثا! ثم دفعه إليها» (٢) وأخرجه الطبراني من وجه آخر وبين أن السفر غزوة ذات الرقاع وأن ذلك في حرة واقم ، قال جابر : «فلما قضينا سفرنا مررنا بذلك المكان فعرضت لنا المرأة ومعها صبيها ومعها كبشان تسوقهما فقالت : يا رسول الله! اقبل مني هديتي ، فوالذي بعثك بالحق ما عاد إليه بعد ذلك! فقال : خذوا منها واحدا وردوا عليها الآخر» (٣) وروى البغوي في شرح السنة عن يعلى بن مرة (٤) رضي الله تعالى عنه. وفي الإنجيل من ذلك كثير جدا ، قال في إنجيل متى ولوقا ومرقس يزيد أحدهم على الآخر وقد جمعت بين ألفاظهم : وجاء يعني عيسى عليه الصلاة والسّلام إلى عبر البحر إلى كورة الجرجسيين ، وقال في إنجيل لوقا : التي هي مقابل عبر الجليل ، فلما خرج من السفينة استقبله مجنون ، قال لوقا : من المدينة معه شياطين ، وقال متى مجنونان جائيان من المقابر رديئان جدا حتى أنه لم يقدر
__________________
(١) حسن. أخرجه الدارمي ١ / ١١ ، ١٢ وأحمد ١ / ٢٥٤ والطبراني كما في المجمع ٩ / ٢ كلهم من حديث ابن عباس. وقال الهيثمي : وفيه فرقد السبخي وثقة ابن معين والعجلي وضعفه غيرهما ا ه وفي التقريب : صدوق لكنه لين الحديث ا ه وشواهده الآتية تقويه ، فهو حسن إن شاء الله.
(٢) حسن. أخرجه الدارمي ١ / ١٠ ، ١١ من حديث جابر بسند حسن فيه إسماعيل بن عبد الملك صدوق يخطىء. وأخرجه أحمد ٤ / ١٧٠ من حديث يعلى بن مرة. وإسناده غير قوي لكنه شاهد لما قبله.
(٣) أخرجه الطبراني في الأوسط كما في المجمع ٩ / ٧ ، ٩ من حديث جابر بن عبد الله مطوّلا ، وقال الهيثمي : وفيه عبد الحكيم بن سفيان ذكره ابن أبي حاتم ولم يجرحه أحد وبقية رجاله ثقات.
(٤) حديث يعلى بن مرة أخرجه أحمد ٤ / ١٧٠ وتقدم قبل حديث.
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
