ثم قال فيما به يحصل قراءة هذا الحرف : اعلم أن قراءة الأحرف الستة تماما وفاء بتفصيل العبادة ، لأنها أشفاع ثلاثة للتخلص والتخلي وثلاثة للعمل والتحلي ، لأن ترك الحرام طهرة البدن وترك النهي طهرة النفس وترك التعرض للمتشابه طهرة القلب ، ولأن تناول الحلال زكاء البدن وطاعة الأمر زكاء النفس وتحقق العبودية بمقتضى حرف المحكم نور القلب ؛ وأما قراءة حرف الأمثال فهو وفاء العبادة بالقلب جمعا ودواما (وَلَهُ الدِّينُ واصِباً) [النحل : ٥٢] و (الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ) [المعارج : ٢٣] فالذي يحصل قراءة هذا الحرف إنما هو خاص بالقلب ، لأن أعمال الجوارح وأحوال النفس قد استوفتها الأحرف الستة التفصيلية ، والذي يخص القلب بقراءة هذا الحرف هو المعرفة التامة المحيطة بأن كل الخلق دقيقة وجليلة خلق الله وحده لا شريك له في شيء منه ، وأنه جميعه مثل لكلية أمر الله القائم بكلية ذلك الخلق ، وإن كلية ذلك الأمر الذي هو ممثول لمثل الخلق هو مثل لله تعالى : (وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى) [الروم : ٢٧] وأن تفاصيل ذلك الخلق المحيطات أمثل لقيامها من تفاصيل ذلك الأمر المحيطات بها ، وأن تفاصيل الأمر المحيطات أمثال لأسماء الله تعالى الحسنى بما هي محيطة ؛ ولجمع هذا الحرف لم يصح إنزاله إلا على الخلق الجامع الآدمي الذي هو صفوة الله وفطرته ، وعلى سيد الآدميين محمد خاتم النبيين وهو خاصته وخاصة آله ، وعنه كمل الدين بالإحسان ، وصفا العلم بالإيقان ، وشوهد في الوقت الحاضر ، ما بين حدي الأزل الماضي والأبد الغابر ، وعن تمام اليقين والإحسان تحقق الفناء لكل فان ، وبقي وجه رب محمد ذي الجلال والإكرام ، وكان هذا الحرف بما اسمه الحمد هو لكل شيء بداء وختام ـ انتهى.
ولما ثبت بهذا البيان عما للكافرين بقسميهم من الشقاوة مع تمام القدرة شمول العلم المستلزمان للوحدانية أنتج قطعا إفراده بالعبادة الموجبة للسعادة المضمنة لإياك نعبد ، فوصل بذلك قوله مقبلا عليهم بعد الإعراض عنهم عند التقسيم إيذانا بأنهم صاروا بما تقدم من ضرب الأمثال وغيرها من حيز المتأهل للخطاب من غير واسطة تنشيطا لهم في عبادته وترغيبا وتحريكا إلى رفع أنفسهم بإقبال الملك الأعظم عن الخضوع لمن هو دونه بل دونهم وبشارة لمن أقبل عليه بعد أن كان معرضا عنه بدوام الترقية ، فيزال ما أشار إليه حرف النداء والتعبير عن المنادى من بقية البعد بالسهو والغفلة والإعراض بالتقصير في العبادة والاضطراب والذبذبة (يا أَيُّهَا النَّاسُ).
قال الحرالي في تفسيره (يا) تنبيه من يكون بمسمع من المنبه ليقبل على الخطاب ، وهو تنبيه في ذات نفس المخاطب ويفهم توسط البعد بين آيا الممدودة وأي المقصورة «أيّ» اسم مبهم ، مدلوله اختصاص ما وقع عليه من مقتضى اسم شامل ، «ها»
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
