لا حفه أي لازمه. وقال الحرالي : هو لزوم ومداومة في الشيء من حروف الحلف الذي هو إنهاء الخبر إلى الغاية كذلك اللحف إنهاء السؤال إلى الغاية ـ انتهى. وإنما يسألون إن سألوا على وجه العرض والتلويح الخفي ، كما كان أبو هريرة رضي الله تعالى عنه يستقرىء غيره الآية ليضيفه وهو أعرف بها ممن يستقرئه فلا يفهم مراده إلا النبي صلىاللهعليهوسلم ؛ فالتعبير بالتعفف يفيد الاجتهاد في العفة والمبالغة فيها ، والتقيد بالإلحاف يدل على وقوع السؤال قليلا جدا أو على وجه التلويح لا التصريح كما يؤيده ويؤكده المعرفة بالسيما.
ولما ذكر سبحانه وتعالى أخفى مواضع النفقة أشار إلى إخفائها لا سيما في ذلك الموضع فقال : (وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ) أي في أي وقت أنفقتموه (فَإِنَّ اللهَ) أي المستجمع لصفات الكمال (بِهِ عَلِيمٌ) وإن اجتهدتم في إخفائه بإعطائه لمن لا يسأل بأن لا يعرف أو بغير ذلك ، وذكر العلم في موضع الجزاء أعظ مرغب وأخوف مرهب كما يتحقق ذلك بإمعان التأمل لذلك.
ولما حض على النفقة فأكثر وضرب فيها الأمثال وأطنب في المقال ولم يعين لها وقتا كان كأن سائلا قال : في أي وقت تفعل؟ فبين في آية جامعة لأصناف الأموال والأزمان والأحوال أنها حسنة في كل وقت وعلى كل حال فقال : (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ) أي في الوجوه الصالحة التي تقدم التنبيه عليها وقدم من المتقابلين ما كان أقرب إلى الإخلاص اهتماما به دلالة على فضله فقال : (بِاللَّيْلِ) إن اقتضى ذلك الحال (وَالنَّهارِ) إن دعتهم إلى ذلك خطة رشد (سِرًّا وَعَلانِيَةً) كذلك.
ولما كان الانتهاء عن المن والأذى في بعض الأحوال أشد ما يكون على النفس لما يرى من المنفق عليه من الغض ونحو ذلك فلا يكاد يسلم منه أحد.
ابتدأ الجزاء في آيته من غير ربط بالفاء إشارة إلى العفو عما يغلب النفس منه تنزيلا له منزلة العدم ، وإيماء إلى تعظيمه بكونه ابتداء عطية من الملك ، ترغيبا في الكف عنه ، لأنه منظور إليه في الجملة ، وربط الجزاء في هذه إعلاما بأنه مسبب عن هذه الأحوال ، لأن الأفعال أيسر من التروك فحصوله متوقف على حصولها ، حثا على الإتيان بها كلها للسهولة في ذلك ، لأن من سمح بالإنفاق لله سبحانه وتعالى استوت عنده فيه الأوقات فقال : (فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ) وسببيته كونه علامة لحصول الأجر ، لا أنه سبب حقيقي ، إنما السبب الحقيقي رحمة الله بالتوفيق للعمل والاعتداد به ، وأعلم بأنه محفوظ مضاعف مربي لا يضيع أصلا بقوله : (عِنْدَ رَبِّهِمْ) أي فهو يربي نفقاتهم ويزكيها كما
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
