تصرف. ولما بان بهذا بطلان العمل في المثل والممثول ترجمة بقوله : (لا يَقْدِرُونَ) أي الممثل لهم والممثل بهم (عَلى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا) فالآية من الاحتباك ولما كان الزارع على مثل هذا عجبا في الضلال والغباوة وكان التقدير : فإن الله لا يقبل عمل المؤذين كما لا يقبل عمل المرائين ، عطف عليه معلما أنه يعمي البصراء عن أبين الأمور إذا أراد ومهما شاء فعل قوله : (وَاللهُ) الذي له الحكمة كلها (لا يَهْدِي) أي لوجه مصلحة. ولما كان كل من المؤذي والمرائي قد غطى محاسن عمله بما جره من السوء قال : (الْقَوْمَ الْكافِرِينَ) وفي ذكره ولهذه الجملة وحدها أشد ترهيب للمتصدق على هذا الوجه.
ولما فرغ من مثل العاري عن الشرط ضرب للمقترن بالشرط من الإنفاق مثلا منبها فيه على أن غيره ليس مبتغى به وجه الله فقال : (وَمَثَلُ) قال الحرالي : عطفا على الذي (يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) عطف مقابلة وعلى (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ) [البقرة : ٢٦١] عطف مناسبة ـ انتهى. (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ) أي مثل نفقاتهم لغير علة دنياوية ولا شائبة نفسانية بل (ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ) أي الذي له الجلال والإكرام فلذلك صلح كل الصلاح فعري عن المن والأذى وعيرهما من الشوائب الموجبة للخلل قال الحرالي : والمرضاة مفعلة لتكرر الرضى ودوامه ـ انتهى. (وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ) بالنظر في إصلاح العمل وإخلاصه بالحمل على الحلم والصفح والصبر على جميع مشاق التكاليف فإن من راض نفسه بحملها على بذل المال الذي هو شقيق الروح وذلت له خاضعة وقل طمعها في اتباعه لشهواتها فسهل عليه حملها على سائر العبادات ، ومتى تركها وهي مطبوعة على النقائص زاد طمعا في اتباع الشهوات ولزوم الدناءات ، فمن للتبعيض مفعول به مثلها في قولهم : لين من عطفه وحرك من نشاطه (كَمَثَلِ جَنَّةٍ) أي بستان ومثل صاحبها. قال الحرالي : ولما كان حرث الدنيا حبا وثمرا جعل نفقات الأخرى كذلك حبا وتمرا. فمن أنفق في السبيل جعل مثله كالحب ، ومن أنفق ابتغاء لمرضاة الله جعل مثله كالجنة التي لها أصل ثابت تدور عليها الثمرات وهي ثابتة وتستغني من الماء بما لا يستغني به الحرث لأن الحرث مستجد في كل وقت ، كما أن الجهاد واقع عند الحاجة إليه والمنفق ابتغاء مرضاة الله ينفق في كل وجه دائم الإنفاق ، فكان مثله مثل الجنة الدائمة ليتطابق المثلان بالممثولين ، فعمت هذه النفقة جهات الإنفاق كلها في جميع سبل الخير ـ انتهى. (بِرَبْوَةٍ) أي مكان عال ليس بجبل. قال الحرالي : في إعلامه أن خير الجنات ما كان في الربوة لتنالها الشمس وتخترقها الرياح اللواقح ، فأما ما كان من الجنان في الوهاد تجاوزتها الرياح
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
