والجمال (وَلَوْ شاءَ اللهُ) أي الذي له جميع الأمر. قال الحرالي : وهي كلمة جامعة قرآنية محمدية تشهد الله وحده وتمحو عن الإقامة ما سواه ـ انتهى. (مَا اقْتَتَلَ) أي ما تكلف القتال مع أنه مكروه للنفوس (الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ) لاتفاقهم على ما فارقوا عليه نبيهم من الهدى. قال الحرالي : فذكر الاقتتال الذي إنما يقع بعد فتنة المقال بعد فتنة الأحوال بالضغائن والأحقاد بعد فقد السلامة بعد فقد الوداد بعد فقد المحبة الجامعة للأمة مع نبيها ـ انتهى (مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ) أي على أيدي رسلهم. قال الحرالي : فيه إيذان بأن الوسائل والأسباب لا تقتضي آثارها إلا بإمضاء كلمة الله فيها ـ انتهى. (وَلكِنِ اخْتَلَفُوا) لأنه سبحانه وتعالى لم يشأ اتفاقهم على الهدى (فَمِنْهُمْ) أي فتسبب عن اختلافهم أن كان منهم (مَنْ آمَنَ) أي ثبت على ما فارق عليه نبيه حسبما دعت إليه البينات فكان إيمانه هذا هو الإيمان في الحقيقة لأنه أعرق في أمر الغيب (وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ) ضلالا عنها أو عنادا.
ولما كان من الناس من أعمى الله قلبه فنسب أفعال المختارين من الخلق إليهم استقلالا قال تعالى معلما أن الكل بخلقه تأكيدا لما مضى من ذلك معيدا ذكر الاسم الأعظم إشارة إلى عظم الحال في أمر القتال الكاشف لمن باشره في ضلال عن أقبح الخلال : (وَلَوْ شاءَ اللهُ) الذي لا كفوء له (مَا اقْتَتَلُوا) بعد اختلافهم بالإيمان والكفر ، وكرر الاسم الأعظم زيادة في الإعلام بعظم المقام (وَلكِنَّ اللهَ) أي بجلاله وعزّ كماله شاء اقتتالهم فإنه (يَفْعَلُ ما يُرِيدُ) فاختلفوا واقتتلوا طوع مشيئته على خلاف طباعهم وما يناقض ما عندهم من العلم والحكمة.
ولما كان الاختلاف على الأنبياء سببا للجهاد الذي هو حظيرة الدين وكان عماد الجهاد النفقة أتبع ذلك قوله رجوعا إلى أول السورة من هنا إلى آخرها وإلى التأكيد بلفظ الأمر لما تقدم الحث عليه من أمر النفقة : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) أي أقروا بألسنتهم بالإيمان (أَنْفِقُوا) تصديقا لدعواكم في جميع أبواب الجهاد الأصغر والأكبر ولا تبخلوا فأي داء أدوأ من البخل (وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [الحشر : ٩]
ولما أمر بذلك هونه عليهم بالإعلام بأنه له لا لهم فقال : (مِمَّا) أي الشيء الذي ورد القول إلى مظهر العظمة حثا على المبادرة إلى امتثال الأمر وتقبيحا بحال من أبطأ عنه فقال : (رَزَقْناكُمْ) بما لنا من العظمة ، وجزم هنا بالأمر لأنه لما رغب في النفقة من أول السورة إلى هنا مرة بعد أخرى في أساليب متعددة صارت دواعي العقلاء في درجة القبول لما تندب إليه من أمرها وإن كان الخروج عما في اليد في غاية الكراهة إلى النفس ، وصرف الأمر بالتبعيض إلى الحلال الطيب ، فمنع احتجاج المعتزلة بها في أن
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
