ذلك ، وثنى بالقول لأنه يمكن الأصم الإفصاح عن المراد ، وختم بالبصر لإمكان الاهتداء به بالإشارة ؛ وكذا ما يأتي في هذه السورة سواء بخلاف ما في الإسراء ، (فَهُمْ) أي فتسبب عن ذلك أنهم (لا) ولما كان المراد التعميم في كل رجوع لم يذكر المرجوع عنه فقال : (يَرْجِعُونَ) أي عن طغيانهم وضلالهم إلى الهدى الذي باعوه ولا إلى حالهم الذي كانوا عليه ولا ينتقلون عن حالهم هذا أصلا ، لأنهم كمن هذا حاله ، ومن هذا حاله لا يقدر على مفارقة موضعه بتقدم ولا تأخر.
(أَوْ) مثلهم في سماع القرآن الذي فيه المتشابه والوعيد والوعد (كَصَيِّبٍ) أي أصحاب صيب أي مطر عظيم ، وقال الحرالي : سحاب ممطر دارّ ثم اتبعه تحقيقا لأن المراد الحقيقة قوله : (مِنَ السَّماءِ) وهو كما قال الحرالي ما علا فوق الرأس ، يعني هذا أصله والمراد هنا معروف ، ومثل القرآن بهذا لمواترة نزوله وعلوه وإحيائه القلوب كما أن الصيب يحيي الأرض ، ثم أخبر عن حاله بقوله : (فِيهِ ظُلُماتٌ) أي لكثافة السحاب واسوداده (وَرَعْدٌ) أي صوت مرعب يرعد عند سماعه (وَبَرْقٌ) أي نور مبهت للمعانه وسرعته ـ قاله الحرالي ، والظلمت مثل ما لم يفهموه ، والرعد ما ينادى عليهم بالفضيحة والتهديد والبرق ما يلوح لهم معناه ويداخلهم رأي في استحسانه.
ولما تم مثل القرآن استأنف الخبر عن حال الممثل لهم والممثل بهم حقيقة ومجازا فقال : (يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ) أي بعضها ولو قدروا لحشوا الكل لشدة خوفهم (فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ) أي من أجل قوتها ، لأن هولها يكاد أن يصم ، وقال الحرالي : جمع صاعقة (١) وهو الصوت الذي يميت سامعه أو يكاد ، ثم علل هذا بقوله : (حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللهُ) أي والحال أن المحيط بكل شيء قدرة وعلما (مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ) فلا يغنيهم من قدره حذر ، وأظهر موضع الإضمار لإعراضهم عن القرآن وسترهم لأنواره.
ثم استأنف الحديث عن بقية حالهم فقال : (يَكادُ الْبَرْقُ) أي من قوة لمعه وشعاعه وشدة حركته وإسراعه (يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ) فهم يغضونها عند لمعه وخفضه في ترائبه ورفعه ، ولما كان من المعلوم أن البرق ينقضي لمعانه بسرعة كان كأنه قيل : ماذا يصنعون عند ذلك؟ فقال : (كُلَّما) وعبر بها دون إذا دلالة على شدة حرصهم على
__________________
(١) الصاعقة قصفة رعد هائل معها نار لا تمر على شيء إلا أتت عليه والصعق هو شدة الصوت ، وقد يطلق على كل هائل مسموع ، أو مشاهد ، ويقال صعقته الصاعقة إذا أهلكته بالإحراق ، أو شدة الصوت.
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
