بالإعطاء سواء كان ذلك مما آتاها أو من غيره أكثر منه أو لا لأن الخلع عقد معاوضة فكما جاز لها أن تمتنع من أول العقد حتى ترضى ولو بأكثر من مهر المثل فكذا في الخلع يجوز له أن لا يرضى إلا بما في نفسه كائنا ما كان ويكون ذلك عما كان يملكه عليها من الرجعة ، فإذا أخذه بانت المرأة فصارت أحق بنفسها فلا سبيل عليها إلا بإذنها (١).
ولما كانت أحكام النساء تارة بالمرافقة وتارة بالمفارقة وكانت مبنية على الشهوات تارة على البهيمية وتارة على السبعية وكان سبحانه وتعالى قد حد فيها حدودا تكون بها المصالح وتزول المفاسد منع سبحانه وتعالى من تعدى تلك الحدود أي الأحكام التي بينها في ذلك ولم يذكر قربانها كما مضى في آية الصوم فقال : (تِلْكَ) أي الأحكام العظيمة التي تولى الله بيانها من أحكام الطلاق والرجعة والخلع وغيرها (حُدُودَ اللهِ) أي شرائع الملك الأعظم الذي له جميع العزة من الأوامر والنواهي التي بينها فصارت كالحدود المعروفة في الأراضي. ولما كانت شرائع الله ملائمة للفطرة الأولى السليمة عن نوازع النقائص وجواذب الرذائل أشار إلى ذلك سبحانه بصيغة الافتعال في قوله : (فَلا تَعْتَدُوها) أي لا تتكلفوا مجاوزتها ، وفيه أيضا إشارة إلى العفو عن المجاوزة من غير تعمد.
ولما أكد الأمر تارة بالبيان وتارة بالنهي زاد في التأكيد بالتهديد فقال عاطفا على ما تقديره : فمن تعدى شيئا منها فقد ظلم : (وَمَنْ يَتَعَدَّ) أي يتجاوز (حُدُودَ اللهِ) أي المحيط بصفات الكمال التي بينها وأكد أمرها وزاد تعظيمها بتكرير اسمه الأعظم. قال الحرالي : ففيه ترجية فيما يقع من تعدي الحدود من دون ذلك من حدود أهل العلم ووجوه السنن وفي إعلامه إيذان بأن وقوع الحساب يوم الجزاء على حدود القرآن التي لا مندوحة لأحد بوجه من وجوه السعة في مخالفتها ولذلك تتحقق التقوى والولاية مع الأخذ بمختلفات السنن ومختلفات أقوال العلماء ـ انتهى. وإليه يرشد الحصر في قوله : (فَأُولئِكَ) أي المستحقون للابعاد (هُمُ الظَّالِمُونَ) أي العريقون في الظلم بوضع الأشياء في غير
__________________
(١) قال ابن كثير في تفسيره ١ / ٢٨٢ ما ملخصه : الظاهر أنه يجوز أخذ ما بيدها ، ولا يترك سوى عقاص شعرها ، وبه يقول ابن عمر ، وابن عباس ، ومجاهد ، وعكرمة ، والنخعي ، والحسن بن صالح ، وهو مذهب مالك ، والليث ، والشافعي ، وأبي ثور ، وابن جرير. وقال أصحاب أبي حنيفة إن كان الإضرار من جهته لم يجز أن يأخذ منها شيئا وإن كان من جهتها جاز أن يأخذ ما أعطاها ، ولا يجوز الزيادة. وقال أحمد وأبو عبيد وإسحاق لا يجوز أن يأخذ أكثر مما أعطاها ، وهو قول ابن المسيب ، وعطاء ، والزهري ، وطاوس ، والحسن ، والشعبي ، والربيع بن أنس ، وحماد بن أبي سليمان.
![نظم الدّرر [ ج ١ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4697_nazm-aldurar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
